المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

الطريق إلى الملحمة.. من يؤجج الصراع بين المسلمين والمسيحيين؟

تم النشر: تم التحديث:

أخذت الأرض زخرفها وازَّينت وتبدل شكلها فلم تعد تلك البقعة النقية التي وطئها آدم بقدميه في بداية البشرية، فالناظر إلى العالم لم يكد يرى سوى القتل والهرج في كل مكان على وجه الأرض.

وبلغت الصراعات الدينية والعقائدية ذروتها بين الشرق والغرب، تزامناً مع اشتعال النزاعات السياسية الرامية للهيمنة على العالم بين القوى الكبرى. ووسط هذا العالم الذي يعج بالفتن والكوارث والرذائل، تكهن الباحثون من كل ملة وجنس بأن نهاية العالم قد لاحت في الأفق، لكن تظل نبوءات النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً من الزمان هي الحد الفاصل في تحديد مصير العالم ومراحل نهايته، فمسجد أحمد (المسجد النبوي) أصبح قصراً أبيض بالمدينة المنورة، والعرب الحفاة يتطاولون في البنيان في شبه الجزيرة العربية، والفتن كثرت بالشام؛ تلك وغيرها بعض من نبوءات النبي الأمي الذي لا ينطق عن الهوى، التي تحققت في هذا الزمان.

ومن بين تلك النبوءات، الملحمة الكبرى بين المسلمين والمسيحيين والمعروفة في الكتاب المقدس عند اليهود باسم "هرمجدون"، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون؛ إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته".

من هذا المنطلق، بدأ الصراع بين المسلمين والمسيحيين منذ البدايات الأولى للإسلام، ففي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، استهلت غزوة مؤتة هذا الصراع السرمدي، تلتها معركة اليرموك في عصر الخلفاء الراشدين، وفي العصور الوسطى، اتخذ الصراع شكل الحروب الصليبية التي شنها الغرب المسيحي على العالم الإسلامي وانتهت تلك الحروب بانتصار المسلمين في النهاية، وظل الصراع سجالاً بين الطرفين على مدار قرون عديدة، وإن كانت الغلبة في معظم المعارك للمسلمين.

لكن منذ نهاية القرن الثامن عشر، انتاب العالم الإسلامي حالة من الضعف والاضمحلال، فوقعت البلاد الإسلامية فريسة سهلة للاستعمار في أيدي الدول الغربية المسيحية، وكان على المسلمين الانتظار قرابة قرن ونصف من الزمان حتى يتحرروا من هذا الاستعمار المباشر، بعد ذلك أخذ الاستعمار أشكالاً مختلفة تجسدت في التأثيرات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تهدف إلى إبقاء العالم الإسلامي تحت السيطرة.

وبعيداً عن طرفَي النزاع الأساسيين، نشأت المنظمة الصهيونية العالمية في نهاية القرن التاسع عشر على يد ثيودور هرتزل، بهدف سيطرة اليهود على العالم، فتمخضت عنها إقامة دولة عبرية "إسرائيل" في فلسطين العربية، تسعى إلى استعادة أمجاد اليهود الغابرة في زمن النبي سليمان. لكن الصهيونية لن تستطيع الوصول إلى قيادة العالم في ظل وجود قطبين كبيرين في العالم، القوى الغربية المسيحية، والعالم الإسلامي في الشرق؛ لهذا، وضعت الحركة الصهيونية العالمية مخططات طويلة الأجل ترمي إلى التخلص من تلك القوى عبر أجيال متعددة.

بالنسبة للغرب، استطاعت المخططات الصهيونية أن تشعل حربين عالميتين أكلتا الأخضر واليابس وتمخضتا عن نظام عالمي جديد يقوم على القوة ونشر الأفكار الهدامة، بعد انتهاء الحروب، تمكن اليهود من السيطرة على مراكز صناعة القرار في الدول الغربية، إما من خلال السيطرة الاقتصادية على كبريات المؤسسات المالية والاقتصادية أو عبر إنشاء تجمعات لوبية في كبرى المؤسسات التشريعية في الدول الكبرى.

أما بالنسبة للشرق الإسلامي، فقد تمكنت المخططات الصهيونية من تفكيك الخلافة الإسلامية في بداية القرن العشرين وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة تعلي مبادئ الدولة الوطنية فوق الدين، وكان ذلك في معاهدة سايكس بيكو، ليس هذا فحسب، بل تمكن اليهود من بذر بذور الشقاق في العالم الإسلامي وتقسيمه إلى سنة وشيعة، إلى جانب إثارة النعرات المحلية والقبلية بين الشعوب الإسلامية والعربية، هذا كله إلى جانب السيطرة السياسية على حكومات وجيوش الدول الإسلامية.

والآن الفرصة سانحة أمام المخططات الصهيونية لإحداث صدام بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، هذا الصدام يرتكز على عاملين: الأول هو توريط الغرب للتدخل في صراعات العالم الإسلامي بحجة محاربة الإرهاب، والثاني هو استغلال رد فعل المسلمين على ذلك العدوان لتأجيج الصراع أكثر وأكثر.

في المستقبل البعيد، سيتولد لدى الغرب المسيحي شعور يقيني بأن هناك بقعة شريرة مليئة بالمسلمين في قلب الشرق الأوسط، وتحديداً في بلاد الشام والعراق، يتعين عليه التخلص منها لكي يعيش العالم في سلام وأمان. على الجانب الآخر، سيضيق المسلمون ذرعاً من ظلم واضطهاد الغرب لهم على مدار قرون عديدة وسيدركون أنه لا بد من صحوة تعيد للمسلمين هيبتهم وكرامتهم وترفع الظلم عنهم، في هذه اللحظة فقط، تصبح الأرض مهيأة للمعركة الفاصلة بين المسلمين والمسيحيين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.