المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

الانقلابيون عراة في شوارع تركيا

تم النشر: تم التحديث:

بعد أربعة انقلابات عسكرية، تيقن الشعب التركي أن التدافع في الآراء خير من التناحر بالأسلحة والدبابات، وأن الديمقراطية المحمولة على صناديق الانتخابات أفضل من الحرية المنقولة زورًا وبهتانًا عبر فوهة الدبابات، وآمن الأتراك بأن الوقوف يومًا طويلاً في انتخابات نزيهة خير الجلوس في السجون سنوات طويلة دون ذنب ولا جريرة، وأن التشاور بالرأي بين كثرة من الناس خير من استبداد القلة. هكذا ترسخت في النفوس مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة والتداول السلمي للسلطة بعد نصف قرن عانى خلالها الأتراك من شتى أشكال الاستبداد.

قبل هذا كله، لا بد أن نتساءل عن الأسباب التي دفعت الجيش التركي للقيام بهذا الانقلاب الفاشل في هذا الوقت؟ وكيف نجحت جميع الأطياف السياسية والشعبية والإعلامية في التصدي لهذا المخطط الآثم؟ وهل كان الانقلاب متوقعًا أم حدث فجأة؟

نعم الانقلاب كان منتظرًا منذ بضعة شهور لدرجة جلعت هيئة أركان الجيش التركي تصدر تصريحًا في مارس/آذار 2016 تنفي فيه قطعيًا وجود أي نية للانقلاب على الرئيس المنتخب رجب طيب أردوغان، وكان هذا البيان ردًا على مقال نُشر في مجلة نيوزويك بعنوان "هل سيكون هناك انقلاب ضد أردوغان في تركيا؟" للباحث الأمريكي والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية مايكل روبن. وكان كاتب المقال قد لمح إلى أن الانقلاب على نظام الرئيس التركي سيكون مقبولاً دوليًا، وخاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.

أما أسباب الانقلاب فمعظمها خارجية وبعضها داخلية، تتمثل الأسباب الخارجية في عدم رضاء الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية عن سياسة الرئيس أردوغان تجاه دول الجوار في منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها سوريا، إذ يرى الغرب أن مساندة النظام التركي للمعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. وتنظر القوى الغربية إلى أن سقوط النظام السوري وإحلال المعارضة أو الإسلاميين مكانه يشكل خطرًا على الدولة العبرية التي ترقب الموقف من بعيد، إلى جانب ذلك، ترى القوى الغربية أن معاداة النظام التركي وحزب الحرية والعدالة للنظام المصري الحالي والتنديد به في كل مكان تمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية. قبل هذا وكله، هناك فتور في العلاقة بين تركيا وإسرائيل على أثر حادثة السفينة مرمرة، إلى جانب توتر العلاقة بين تركيا وروسيا عقب استهداف تركيا للطائرة الروسية التي دخلت مجالها الجوي.

لهذه الأسباب، يريد الغرب أن يدك آخر معاقل الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط، وخاصة بعد أن شقت تركيا عصا الطاعة الأمريكية وخرجت من عباءة الدب الروسي، لتنتهج طريقًا فريدًا ليس شرقيًا ولا غربيًا، ولا إسلاميًا ولا علمانيًا، ولا ينحاز لأحد، لكنه يقدم مصالح الدولة التركية فوق الجميع.

داخليًا، تخشى المعارضة التركية من محاولات حزب العدالة والتنمية الحاكم لتغيير هوية الدولة التركية من العلمانية إلى الاتجاه الإسلامي بعد قرابة قرن من الزمان تحت حكم العلمانية منذ إعلان مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية التركية، علاوة على ذلك، فإن نوايا الرئيس أردوعان لتحويل البلاد من حكم برلماني إلى رئاسي وإجراء إصلاحات دستورية يعد أمرًا مقلقًا للمعارضة التركية التي ترى أن تلك الخطوة ستؤدي إلى مرحلة من الاستبداد في الحكم، إلى جانب أنها سوف تهمش المعارضة المنقسمة على نفسها بالفعل؛ لهذا يرى جانب كبير من المعارضة التركية ضرورة التخلص من سيطرة حزب العدالة والتنمية على مقاليد الحكم في البلاد.

أما عن نجاح الدولة والشعب في التصدي لتلك المحاولة الانقلابية الفاشلة فيرجع في الأساس إلى إدراك الشعب لمدى التدهور الذي وصلت إليه البلاد في عصور الانقلابات العسكرية السابقة، إلى جانب ذلك، ورغم عدم رضاء بعض الأتراك عن سياسات الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية، فإنهم يرون أن تركيا وصلت في عهده إلى مرحلة من الرخاء والنمو الاقتصادي لم تكن لتصل إليه إلا في ظل نظام ديمقراطي حر.

سبب آخر ساهم في إفشال الانقلاب هو عدم موافقة جُل قادة الجيش على الخروج عن الشرعية والقانون، ولولا ذلك لكان الوضع مختلفًا تمامًا.

لكن أهم الأسباب وراء فشل الانقلاب العسكري في تركيا هو توحد الشعب بكافة أطيافه المعارضين للحزب الحاكم قبل المؤيدين في رفض أي محاولة للانقلاب على الشرعية وحكم القانون، وقد بدا ذلك جليًا من خلال تصريحات رؤساء الأحزاب المعارضة بشأن ضرورة التمسك بالقيم والتجربة الديمقراطية والمكاسب التي حققتها الدولة التركية خلال العقد المنصرم.

ورغم مرارة التجربة التي عاشها الأتراك خلال ساعات الانقلاب وما خلفتها من ضحايا أبرياء، فإنها أظهرت مدى وعي الشعب في التصدي لمن يحاول الانقضاض على الشرعية وحكم القانون لتجسد مدى الرسوخ الذي وصلت إليه التجربة الديمقراطية في تركيا. وإن مشهد استلام الجنود المشاركين في الانقلاب عراة حفاة سيظل خالدًا إلى أبد الدهر في مخيلة كل من تراوده نفسه للقيام بانقلاب عسكري في المستقبل.

ورب ضارة نافعة، في ليلة واحدة تخلص أردوغان من كبار قادة الجيش المتمردين، ووجه صفعة قوية للغرب ولأكبر معارضيه داخليًا وخارجيًا وأصبح هو البطل بلا منازع!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.