المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد النشار Headshot

مصر بانتظار فارسها ومنقذها الحقيقي

تم النشر: تم التحديث:

لم يكد فجر الدنيا يشرق على الأرض حتى وجد مصر هي طفلة الكون المدلَّلة وبلد الله المختار، نيلها ينبع من أنهار الجنة وترابها شرَّفه الله بالتجلي لجبل من جبالها، وداسته أقدام الأنبياء المطهرة عبر القرون والأجيال. وعلى مدار الأزمان والأيام، نمت الطفلة وترعرعت لتنشئ حضارة سمع بها كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وعبر مختلف العصور، كانت مصر حاضرة في المشهد العالمي؛ بل ومؤثرة فيه من قريب أو بعيد. وفي كل مرة تتعرض فيها لكبوة؛ إما باحتلال أرضها وإما بنهب خيراتها، تخرج مصر من كل محنة رافعةً رأسها، سليمة أرضها ونيلها يواصل جريانه. فكانت مصر دائماً رمزاً لبقاء الدنيا على وجه الأرض، فإن فنيت مصر لا قدر الله، فتلك نهاية الدنيا على وجه الأرض.

لكن هذه المرة ليست ككل المرات، حتماً ستخرج مصر من كبوتها يوماً ما، لكنها ستخرج وهي مقطوعة أرضها ومحرومة من نيلها ومحصورة عن زرقها وخيراتها ومثقَلة بديونها وخراب اقتصادها وضياع أمنها وتشتُّت شعبها.

فكيف الحال إذا جاء إلى مصر في يوم من الأيام من يردُّ إليها كرامتها ويرفع رأسها؟ حينئذ، إذا أرادت الدولة أن تنكث بمعاهداتها، فلن تجد نفسها إلا في صراع مع الكثير من الدول ولن تجد أمامها إلا حصاراً مفروضاً عليها.

خلال 4 سنوات فقط، ابتُليت فيها القلوب ومُحّصت فيها الصدور، تعرضت مصر لما لم تدركه الأبصار على مدار 4 آلاف عام. فكيف السبيل إلى النجاة والطريق مظلم والتحديات عظيمة؟! وكيف بمصر إذا مُنعت أَدْرُبَها وحاصرها أعداؤها طعماً في خيراتها؟ ومن يستطيع إنقاذ مصر في المستقبل القريب؟

الآن فقط وبعد التنازل الصريح عن تيران وصنافير، أصبح الحل الوحيد بيد الجيش بصفته المعنيّ بحماية والحفاظ على أراضي الدولة وسلامتها، فالأمر لم يصبح صراعاً سياسياً على السلطة؛ بل أضحى مصير الوطن وسلامة الشعب ومستقبل الأمة الإسلامية والعربية بأكملها.

وكيف للجيش أن يُقنع جنوده بالدفاع والاستشهاد من أجل تراب الوطن في وقت تتنازل فيه الدولة عن جزء من هذا التراب؟ فهل أرض الوطن أضحت لعبة في أيدي الأنظمة ندافع عنها حينما تريد ونتخلى عنها حينما يحضر الأرز. بالتأكيد، هذه الاتفاقية سيكون لها بالغ الأثر في خفض معنويات الجيش الأيام القادمة.

وفي ظل متغيرات إقليمية ودولية تمهد الطريق للتطبيع العلني مع إسرائيل، بالتأكيد لن تكون الجزر هي الأخيرة في مسلسل التنازل، فمن تنازل بورقة عن الجزر، غداً سيقلب الورقة نفسها ليكتب فيها سيناء، وأم الرشراش كانت خير شاهد.

الآن فقط، سقطت خارطة الطريق التي وضعها الجيش في الثالث من يوليو/تموز 2013، وأصبح من الضروري قلب الطاولة وإعادة اللعبة من جديد بشخصيات أخرى. فلم تعد هناك طريقة لإقناع الشعب بوجود مسار ديمقراطي ولو شكلياً. بكل سهولة، تستطيع الدولة إجراء انتخابات وهمية في عام 2018، لكن من الصعب إقناع الشعب بالمشاركة وإظهار الشكل الديمقراطي المزيف كما حدث في 2014.

وفي خضم هذه الأحداث، هناك أزمات اقتصادية متصاعدة تفاقم من الغضب الشعبي المكتوم الذي قد ينفجر في أي لحظة، إلى جانب حصاد السياسات الفاشلة للدولة في التعامل مع قضايا ذات أهمية شديدة الخطورة للأمن القومي والمتمثلة في سد النهضة وأزمات الديون المتصاعدة. الأكثر من ذلك، هو عدم وجود حلول جذرية لتلك المشاكل على المدى البعيد، والحل لن يتأتي إلا بوجود انفراجة سياسية تتبعها إجراءات اقتصادية سليمة.

ومع ذلك، لا تزال الدولة تراهن على تحمُّل وصبر الشعب الممزوج بسياسات القمع الشديدة. لكن تاريخ الأمم والشعوب دائماً يقول غير ذلك، والمقدمات دائماً تصل إلى النتائج والتاريخ حاضر والماضي عبرة لمن أراد أن يعتبر.

الآن، الحكم العسكري في كامل صورته التي استطاع أن يخفيها على مدار عقود طويلة والشعب يوماً بعد الآخر يزداد وعيه وتُبصِّره بالحقائق، وحتماً ستجني الشعوب المقهورة حصاد تضحياتها في يوم من الأيام.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.