المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ناجي عبد الله Headshot

في اليمن هل كانت الثورة خطيئة؟

تم النشر: تم التحديث:

كان يوماً عابراً من أيام فبراير/شباط، مجموعة من الشباب وقفوا أمام بوابة جامعة صنعاء بعد أن سبقهم زملاؤهم في ساحة الحرية بتعز، وقفوا منتعلين الأرض ملتحفين الكرامة ورافعين المستقبل بأيديهم على شكل كلمات، على مقربة من مجسّم الحكمة اليمانية نصبوا أولى خيامهم ليقولوا لملايين اليمنيين، إن الحكمة التي تغنَّيْنا بها هي نقيض الاستبداد والديكتاتورية ورديف للحرية والكرامة، في البداية كانوا عشرات من شبان الجامعات رأس مالهم حلم، كفروا بأدوات القمع وهروات النظام وآمنوا من جديد بأن اليمن يستحق مكانة أفضل، وأن الإنسان اليمني كغيره يستطيع أن يبني بلده أيضاً، لقد كانت ثورة استعادة الهوية بكل تفاصيلها.

حينذاك كانت الرياح القادمة من شمال إفريقيا مشبعة بالحرية والأمل، ثمة ديكتاتور قد سقط في تونس وآخر آيل للسقوط في مصر الكنانة، كانت الشعارات والكلمات التي رفعها أبناء الربيع هناك حاضرة في أذهان شباب فبراير هنا، وكأن الحرية قيمة سقفها السماء، تتجاوز حدود الزمان والمكان وتقف إلى جوار كل من يقول كفى.

ظهرت الأحزاب السياسية لابسة ثوب الخجل طامعة في التغيير مترددة في دفع الضريبة، كانت صيحات شباب فبراير باعثة لها من مرقدها، هل آن الأوان للتخلص من رهاب قصر صالح؟ تلك أحجية اختلفوا عليها كثيراً ودفعتهم أكثر من مرة للمخاتلة، لاحقاً وجدوا أنفسهم أمام طريق إجباري.. الثورة أو الثورة ولا خيارَ ثانيَ.

بعد بضعة أيام من الاعتصام كان ربان الجمهورية الجديدة يهتفون ملء الساحة والأرض يهتفون ضد الفساد والقهر والاستبداد بأن يرحل، لم يقوَ على سماع أصواتهم زبانية القصر، فحشدوا أبناء الفقراء كي يقتلوا إخوانهم، كانوا يوزعون الموت ولا شيء آخر في منافذ الساحات وكان الجيش (جيش صالح) يرى في ميادين الثورة جمهورية جديدة تحتل حدود دولة العائلة.

وكعادة الثورات ما كان لها أن تمر دون رموز، كانت ساحات التغيير ونظيراتها تفتح بين الحين والآخر منفذاً للسماء ارتفع مازن البذيجي وعوض السريحي كأول الباقين، لحقهم رجال جمعة الكرامة، فرسان بنك الدم، حواريو ساحة الثورة، شهداء العصر والفجر والظهيرة، وكانت الساحات كقلب أمٍّ يغذي كل أجزاء الوطن بمواكب الراحلين، لقد كانت القرى البعيدة من لحمها ودمها تمنح الوطن كرامة وتبعث فيه حياة لعله أن يعود، وكلما تجمّل الثرى بجسد شهيد، كسبت الثورة نفحة في الروح وكأن الراحلين يعلنوها ثورة من تحت التراب.

لقد كانت لحظة فارقة عندما تخلى اليمني عن سلاحه وخرج بكفه النقي وقلبه الأبيض حاملاً الكلمات بدلاً من الرصاص، وكلما اغتالت رصاصات الليل قلبًا ثائرًا زاد هتاف رفاقه بأن "الثورة سلمية وستبقى"، إنها معجزة فرسان فبراير بأبهى تجلياتها، فالثورة رسول تُخرج الجموع من ظلمات الاستبداد إلى نور الحرية وتمنحهم أدوات نقيه كي توصلهم إلى شواطئ الغد.

كان الرجل الذي أمضى ثلاثة وثلاثين عامًا في الحكم لا يرى في طول المكوث سوى زيادة في الإصرار على البقاء كان يعمل على تجيير شعب بأكمله ليكون له ولعائلته من بعده، صالح الذي منح شعبه نظاماً فاسداً وديمقراطية مزيفة ودولة هشة صُنفت كواحدة من أكثر دول العالم فساداً، وأصبح أكثر من نصف الشعب تحت مستوى خط الفقر، كما انتشرت الأمية في كل مكان وبلغ عدد من لا يعرفون القراءة والكتابة نحو 8 ملايين يمني، حتى صار المتابع لوضع اليمن لا يرهق نفسه في البحث عن مستواها في المؤشرات العالمية يكفي فقط أن ينظر إلى أسوأ الدول في كل القوائم سيجد مقعد اليمن قد حُجِز هناك بفضل سياسات صالح، والذي وجد أن الخروج عليه مساساً بذاته، ثم راح يحرق الإنسان الشجر والحجر في وطن قدم له كل شيء بصمت.

خمس سنوات مضت منذ فبراير الأول انزلقت فيه اليمن إلى مربع النار الذي كان ثوار فبراير يتحاشون الوصول إليه، والسؤال الذي نجده دائماً.. هل قول "لا" للفساد والظلم والتخلف كان خطيئة؟ وهل تبخرت أحلام أبناء فبراير كما تبخرت من قبلها أحلام أجدادهم في سبتمبر/أيلول العتيق؟ إن كان صالح يملك كل هذه الأدوات من جيش وإعلام ومكر فلمَ ضحَّى رجال فبراير بأرواحهم من أجل معركة غير متكافئة كهذه؟
لقد كانت انتفاضة أبناء البن حتمية تاريخية، وأمر مستحق الدفع، لقد وصل البلد إلى مستنقع الفشل لأن جيل الآباء كان يخاف من ضريبة التغيير وكان دائماً يقبل بأرباع الحلول خوفاً من نقمة وحوش الفساد والاستبداد، هذه السياسة التي اعتبرت لاحقا "حكمة يمانية" جعلت اليمن يتدحرج نحو الأسوأ، حتى صُنفت قلب اليمن صنعاء كواحدة من أتعس مدن العالم، وأضحى اليمني يحمل تهمة الإرهاب أينما حل، فهو مذنب بطبعة حتى تثبت براءته فالنظام كان يتاجر بسمعة اليمن بغية الاسترزاق، أمام هذا السقوط خرج أصحاب "لا" ليوقفوا الكارثة وليدفعوا ثمن الصمت الطويل بكلفته العالية، كانت أصواتهم المتعبة الحالمة تثير سخرية النظام وهي تتسلل من بين خرسانة سور قصر النهدين، وكان جوابه دائماً "من يرحل؟" كما قال زميله الليبي "من أنتم؟".

لم تكن الثورة موجهة ضد صالح كشخص، كانت وما زالت ضد نظام فاشل أهلك الحرث والنسل، فالثورة أكبر من أن تكون ضد أفراد، إنها ثقافة العدل أمام الظلم، الحرية أمام القمع الكرامة أمام الامتهان، إنها عملية استعادة كاملة لدور اليمني الذي تم تهميشه.

توارى صالح عن الأنظار وأعاد إنتاج نفسه عبر أدوات النظام الذي بناها طيلة حكمه، وبدأ يرسل النسَّاك في الإعلام ليحاضرونا عن "عفاش" الذي كان بالتوازي يدمر البلد من أجل أن يثبت صحة معادلة أنا خيرٌ منهم، لقد رجع صالح خطوة للخلف لكنه لم يذهب، انتقم مِن كل مَن وقف ضده حتى جعل بعض رفقاء فبراير يقولون ليتنا لم نعرف الثورة؟

حسناً.. مرة أخرى هل نجحت الثورة أم فشلت؟
دعوني أورد هذه المقاربة.. قررتَ يوماً أن تغير ثوبك المرقع المتسخ والمقطع من كل جانب، قررت أن تغيره وترتدي ثوباً آخر يليق بك، وعند خلع القديم لارتداء الجديد زرعوا الأشواك أمامك كي لا ترتديه وصرخ أنصار الثوب المرقع "سلام الله على ثوبك المتسخ".
الثورة مستمرة..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.