المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ناجي عبد الله Headshot

على عتبة الثلاثين.. الصراع والكفاح والأمل

تم النشر: تم التحديث:

وأنا على عتبة الثلاثين من عمري لم أكن أتصور أن حياتي ستكون على هذا النحو، كنت طفلاً حالماً حد نسيان الواقع، أطمح أن أكبر بسرعة حتى أصل إلى أحلامي قبل أن تتلاشى، ما زلت أتذكر حين كنت طفلاً في المدرسة، عبثاً أحاول إقناع أهلي أن عمري أكبر، كنت أسابق الزمن كي أبدو رجلاً وليس طفلاً، أتذكر أني كنت أقضي وقتاً أمام أوراق التقويم السنوي أحاول نزع أوراق الأيام قبل وصولها حتى أغدو كبيراً..

كنت أظن أننا كصغار إن كبرنا فسيشيخ المقاتلون وسأقف أنا وزملائي لنصنع وطناً آمناً لا نسمع فيه صوت الرصاص، لكني كبرت وخسرت أنا وزملائي وكسب القتلة غبار المعارك ورؤية الدماء تسقط من جديد.

دعوني أحدثكم عن قصتنا -زملائي وأنا- حين التحقنا بالمدرسة كنا 98 طالباً وحين وقفنا أمام بوابة الجامعة لم نكن سوى أربعة طلاب فقط، كنا منهكين كأحلامنا نبدو كوطن فقد فجره، كنا آخر المحاربين في معركة الكفاح المسماة مجازاً "رحلة التعليم"، أما زملاؤنا فقد تساقطوا في سنوات الدراسة تخطفتهم آلة الجهل والفاقة والحروب وانعدام دولة تهتم.

يبدو هذا الكلام مثيراً للسخرية لدى الكثير، فالتعليم الذي صار بديهياً أن يتلقاه الإنسان كحق أساسي في كل دول العالم كيف يمكن وصفه كمعركة، لكن الحقيقة أن هناك قصة كفاح خلف كل طالب أكمل تعليمه هنا، وفقاً لتقرير أصدرته اليونيسكو فإن حوالي 8 ملايين يمني يعانون من الأمية من إجمالي عدد السكان البالغ 25 مليوناً، ولكم أن تتخيلوا كارثية حيازة هذا الرقم.

خلال الثلاثة عقود الماضية شهدت اليمن قرابة 15 حرباً في سبيل اللاسبيل، وما فتئت تتخلص من غبار معركة حتى تشهد أختها، يبدو الأمر كمسلسل بؤس كُتب في صفحات أقدارنا، مشهد قاتم كنا ضحاياه ودراما حزينة كنا نحن رموزها،
وصار السؤال في أذهان أجيال اليمنيين هل كتب علينا ألا نكون؟ من الصعوبة أن تفكر في المستقبل حين تجد نفسك في طابور الضحايا المنتظرين لأدوارهم، يوزع الموت هنا كأكياس الطحين على الجوعى لا تملك قرار اختيار نهايتك، الكلمة الفصل لآلة الموت قد يكون قدرك شظية صاروخ أو قذيفة مدفع لكن الجميل أنك ستموت وسيتوقف هذا السيل من الألم.

يحلم العالم بالأفضل ونحن حين جاد لنا الزمن بحلم كانت نهايته معركة، كعادة البلدان التي تشهد صراعات لا يلتفت الناس لما يحدث في أعماق المجتمع، ينظرون فقط لعناوين الأخبار -هذا إن نظروا- تبدو أرقام الضحايا مثيرة للشفقة لكن لبضع ثوانٍ ثم ينتهي كل شيء، غير أن الأمر مختلف بالنسبة لنا، فرحيل عزيز قد يكلفك عمرك كي ترمم قلبك من جديد، على جنبات خط الصراع تظهر مآسٍ لا يراها الناس، الجوعى، النازحون، الجرحى والمرضى.. وقائمة لا تنتهي من الكوارث التي فرضتها الحرب كضريبة إجبارية.

لا أدري لما قررت أن أكتب مثل هذه الخواطر في ذكرى ميلادي، فقد جرت العادة أن البسطاء أمثالنا لا يكتبون شيئاً عن سنواتهم، عن أحلامهم، عن طريقة حياتهم العادية وعن كفاحهم المنسي، أن تخبر الناس عن الأشياء التي تحبها أو تكرهها عن آمالك وأحلامك التي اغتالتها يد الصراعات ذات مساء، أن تقول لهم مثل هذه الأشياء فذاك أمر لن يذكي أي اهتمام، تظلمنا الأرقام كثيراً تبدو عدونا اللدود هنا، أن تسير صوب النور في هذه الجغرافيا الوعرة التي تعيشها فإن الطريق شاق تقطع مسافة المتر بعد أن تدفع دم قلبك من الزمن، ويقطع الآخرون نفس المسافة وأكثر بغمضة عين، والأرقام تخبر الناس كم مشيت لكنها لن تخبرهم كيف مشيت وكم حاجز اجتزت.

في سنوات العشرينات من عمري كانت فكرة النهاية تسيطر على كل تفكيري ماذا لو مت وما زلت بعيداً جداً من طموحاتي البسيطة؟ ماذا لو لم أصل؟ ماذا لو استمر كل هذا العبث؟ كنت أعقد الكثير من المقارنات بيني وبين الآخرين وفي كل مرة كنت أفشل، أبدو شبيهاً لأحد جمال معاصر السمسم.. تدور مغمضة العينين طوال اليوم وفي نهاية المساء تكتشف أنها في نفس المكان.. لا تقدم يذكر فكل نجاح تجمعه تأخذه منك ظروفك عنوة.

ومع كل ذلك تعلمت ألا ألوم الأرض لا ألوم الزمن ولا ألوم الأرقام حتى، اليوم وأنا أستدبر سنواتي الماضية تعلمت أن أجعل عزيمتي أكبر من كل هذه الظروف، أدرك أن البدايات المختلفة والمتفاوتة يجب أن تجعل النهايات مختلفة أيضاً، تعلمت أنه لا بد من إعادة تعريف الكثير من الكلمات كي أتصالح معها لا يجب أن أنهك نفسي في شقاء المسافة بيني وبين الآخرين..

في إحدى رحلاتي تعرفت إلى رجل هندي مسن قال لي عند وداعه "اكفر بنسخة النجاح الموجودة لدى العالم، كن لاعباً جيداً فحسب، وكن الحكم في نفس الوقت لا أحد منهم يعلم أرضية ملعبك مثلك" كان هذا النص ضالتي، لاحقاً وجدت كثيراً من الإجابات الموازية لأسئلة الحياة المصيرية أدركت أن الحياة تقدم نسخاً مختلفة في تعريف الأشياء، نسخة لمن يعانون ونسخاً لغيرهم، البارحة وجدت نصاً لابن عربي يقول إن الإيمان لا يعني سوى الأمل جعلتني هذه المفردة أكثر تصالحاً مع نفسي.

في بقية حياتي البسيطة والمعقدة في آن واحد، سأحاول أن أكون مؤمناً ما استطعت، لن أحتاج مطلقاً لنزع أوراق التقويم قبل وصول الأيام، بل سأجعل كل يوم ينال حقه من الأمل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.