المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد ناجي عبد الله Headshot

مواجهة التطرف.. هل الترويض ممكناً؟

تم النشر: تم التحديث:

برزت ظاهرة التطرف كواحدة من أكثر المشكلات تعقيداً في العالم، حتى صارت حديث الساعة في أغلب الأمكنة، بل وقضية العالم الأولى، وأضحى التصدي للتطرف محور تحالفات بين كثير من دول العالم.

فمشكلة العنف والتطرف أرقت مضاجع الكثير واكتوى بنيرانها مئات الآلاف من البشر بل الملايين، ومن لم تصبه نفحة نار منها أصابته نازلة حزن على أرواح آلاف الضحايا والأبرياء.

لم يعد التطرف محصوراً في فئة أو جماعة، بل أضحى عدوى مميتة أصابت الكثير من التيارات، وصار المنخرطون في فكر العنف والتطرف يسردون آلاف المبررات للطريق الخطأ الذي يرونه عين الصواب، الأمر الذي جعل التطرف من وجهة نظرهم أقصر الطرق لتحقيق ما يصبون إليه.

لقد وجد العنف لنفسه مكاناً لدى فئات متنوعة من العقول، فصرنا نسمع عن رجل الدين المتطرف، السياسي المتطرف، المثقف المتطرف، الفنان المتطرف، وحتى الدولة المتطرفة أيضاً وبدت صناعة التطرف رائجة في عالمنا.

يسلك طريقها كل مَنْ يريد اختصار الزمن للوصول لمبتغاة أو طيّ الزمن والعودة لقرون مضت، كما أن البعض يتبنى هذا الخيار كطريق للانتقام لما يحدث في بلاده من مآسٍ ويرى فيه الأسلوب الوحيد للمواجهة.

ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التطرف الديني هو أخطر تلك الأنواع، إذ إنه يعتمد على بُعد المآلات في استثارة عواطف المنخرطين فيه، ويظهر الفرد الوديع كشخص يقتل بإخلاص استجابة لأوامر الإله كما يعتقد، ويصبح الفرد أداة قتل بدل أن يكون عنصر استخلاف، ومعول هدم بدل أن يكون لبنة بناء، وتجد الجموع الغفيرة نفسها تساق إلى الموت طائعة.

وبالرغم من امتداد هذه الظاهرة إلى الكثير من بقاع العالم، إلا أن المنطقة العربية والإسلامية كانت الأكثر تضرراً منها بل وصارت معقلاً للعديد من تيارات التطرف الديني والتي صار لها فروع وأجنحة في أكثر من منطقة.

وهو ما جعل المجتمعات العربية تسعى إلى محاربة هذه التيارات المتطرفة وسارعت بمعية الكثير من الدول إلى تشكيل تحالفات للقضاء على هذه التنظيمات التي صارت خطراً يتعدى الجغرافيا.

لكن يبقى السؤال المهم.. إلى أي مدى نجحت استراتيجيات مكافحة التطرف والعنف في الحد من هذه الظاهرة؟ وهل الحلول الأمنية كافية لمجابهتها؟

بالنظر إلى الواقع الذي نعيشه والذي يشهد ميلاد تيارات جديدة متطرفة بصورة مستمرة، نجد جزءاً من الإجابة عن هذا السؤال بأن الحلول الأمنية ليست كافية للعلاج، بل إنها في كثير من الأحيان كانت عكسية.

ومشكلة أكثر من كونها حلاً خاصة في الدول التي تنتهج العنف في محاربة ما تعتقد أنه عنف. لقد فشلت الكثير من الدول في التفريق بين مكافحة التطرف ومحاربة المتطرفين وإن كانت بعضها قد قطعت شوطاً في محاربة الثاني.

إلا أنها فشلت في مكافحة الأول، ولهذا فقد ظلت فقّاسة العنف تعمل لإنتاج وجوه جديدة كل يوم ساعدها في ذلك الأسلوب الخاطئ في معالجة الظاهرة وعدم تبني مصفوفة الوقاية التي تسبق الحلول الأمنية بآلاف الخطوات.

وفي الحديث عن الحلول لمكافحة مشكلة التطرف الديني لا يمكننا أن نوصّف الظاهرة دون الحديث عن أسبابها ودوافعها، إذ إن معرفة أسباب هذه الظاهرة يقودنا إلى فهم أفضل لتكوّن هذه الأحجية ومن ناحية أخرى يجعل من الحلول المطروحة حلولاً ناجحة.

إن العجز في فهم النص الديني يعد منفذاً رئيسياً تتسلل منه تيارات العنف لتقديم مبرراتها الفكرية، كما أن الجمود الفكري الذي تعاني منه المجتمعات المسلمة خلف الكثير من المفاهيم القاصرة التي لا تمت لسماحة الإسلام بصلة.

وهناك أيضاً كبت سياسي ودكتاتورية تعيشها مجتمعات الشرق جعلت بعض الناس لا يستطيعون التنفس إلا عبر أفواه البنادق، كما أن السياسات الدولية المتجاهلة لحقوق المجتمعات العربية وأطماع الدول العظمى ساهمت إلى حد كبير في خلق مناخ لهذه الظاهرة.

لذلك تتجلى ضرورة ملحة لدراسة هذه الأسباب مجتمعة والانتقال لوضع استراتيجية حقيقية لمعالجة أسباب التطرف قبل أن تفرض عليهم الحلول الأمنية التي لا تنهي التطرف وإنما تجعله ينمو في الأماكن المغلقة.

إن تبني استراتيجية متكاملة لمواجهة التطرف تشمل معالجة جذور المشكلة هو الخيار الأمثل لمواجهتها، استراتيجية تشمل توفير مناخ ديني متسامح لتربية النشء، وفتح أبواب النقاشات والحوارات الدينية على مصراعيها لإسبار غور المسائل والنصوص الدينية بغية إيجاد اجتهاد ديني يتلاءم مع مقتضيات العصر.

ويمد جسور المحبة والثقة مع الآخر، استراتيجية تقدم نماذج وقدوات منفتحة على الآخر تقبل الاختلاف والتنوع وتكون أمثلة يحتذى بها من أفراد المجتمع، استراتيجية تسعى إلى بناء المجتمع المدني وتنمي العمل السلمي كأسلوب حضاري ومنهج تغيير للحصول على الحقوق.

كما تعني بتأهيل الشباب تعليمياً واقتصادياً لتفويت الفرصة على الحركات المتطرفة في استقطاب الشباب من نافذة البطالة والجهل.

إن تبني مثل هذه الحلول سيحدث بكل تأكيد انخفاضاً في نسبة التطرف الديني وينقل المعركة مع التطرف من محاربة نتاج الظاهرة إلى محاربة جذورها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.