المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مصطفى كمال Headshot

أشهرُ نساءِ الأندلس ويَومُ الطين!

تم النشر: تم التحديث:

بينما كان الأمير "محمد بن عباد" وهو ابن الخليفة المعتضد بالله، ملك إشبيلية بالأندلس، يتمشى مع صاحب له على ضفاف نهر الوادي الكبير بالأندلس - وهو نهر يوجد بجنوب إسبانيا حالياً - إذ وقعت عيناه على جارية جميلة، كانت تغسل الثياب على ضفة النهر، وكانت فتاة خفيفة الظل لا تفارقها الضحكات، فسمعها تُنشد بعضاً من أبيات الشعر، فافتتن بجمالها وذكائها ووقع في حبها، فسأل عنها، فعرف أنها جارية في أحد بيوت الناحية، فأرسل ليخطبها لتكون له زوجة، وكانت هذه الجارية هي "اعتماد الرميكية"، أشهر نساء الأندلس!

وقد عُرف عن الأمير حينها أنه لا يصبر على فراقها ساعة، وكان يكنّ لها محبة خاصة، حتى إذا مات أبوه "المعتضد" وتولى من بعده الحكم اشتق لنفسه لقب الملك من حروف اسمها، فسمى نفسه "المعتمد بالله بن عباد"، من اسم زوجته "اعتماد"، التي كانت جارية سابقاً، فوهبها حريتها بعد أن تزوجها؛ لتخلد محبته لها في أخبار التاريخ؛ حيث عاشت معه في رفاهية وعز فاق الوصف، حتى إنه كان لا يرد لها طلباً ولا يُغضبها أبداً!

وفي يوم من الأيام رأت "اعتماد"، الجواري وهن يخضن في الطين وقد شمرن عن سوقهن وسواعدهن، فحنّت إلى ماضيها، فقالت لزوجها المعتمد بالله بن عباد:

- أشتهي أن أفعل أنا وبناتي كفعل هؤلاء الجواري!

فما كان من "المعتمد بن عباد" إلا أن بادر إلى تلبية طلبها، ولكن بطريقته المعهودة من البذخ الذي عُرف عنه؛ حيث أمر بكمية ضخمة من العنبر والمسك والكافور، فسُحقت جميعاً ثم عُجنت بماء الورد، لتكون في هيئة طين نشره في ساحة قصر الحكم؛ كي تخوض زوجته اعتماد وبناتها الأميرات فيه، حتى خضن فيه وهن في غاية السعادة، والعجيب أن رائحة المسك والعنبر ما زالت تفوح من ساحة هذا القصر حتى اليوم!

وكان ابن تاشفين، ملك المرابطين، قد قرر الهجوم على إشبيلية ولم تكد المعارك تبدأ حتى انتهت باستسلام المعتمد بن عباد، وسقط أسيراً في يد ابن تاشفين، الذي قتل كل أبناء المعتمد ولم يترك له إلا زوجته وبناته، ثم قرر نفيهم جميعاً إلى بلاد المغرب في مدينة "أغمات" المغربية، وقد حُمل المعتمد على بغلة واحدة يركبها هو واعتماد وبناتهما بالمشاركة بينهم إمعاناً في ذلهم، بينما حرس المرابطين يركبون الخيول، ثم أسكنهم في بيت وضيع في المدينة، ووضع عليه حارساً غليظ القلب، وقيد قدمَي المعتمد بالحديد حتى لا يَخرج من البيت!

ولم يكتفِ ابن تاشفين بذلك بل منع عن المعتمد المال والطعام، فأصبحت بناته حُفاة في ملابس رثة، يغزلن الغزل، تذهب إحداهن به إلى السوق، فلا تجد مَن يشتريه منها، وأصبح الناس يتصدقون عليهم بالمال والطعام والملابس في الخفاء، كل هذا وقد كانت البسمة لا تفارق وجه "اعتماد الرميكية"، حتى في أشد أوقات البؤس والشقاء والألم التي مرت بها وببناتها مع زوجها المعتمد في منفاه، وظلت كذلك حتى آخر لحظة في عمرها!

ومما يروى في الأثر أنه قد حدث شقاق وخلاف بينها وبين المعتمد، فقالت له يوماً:

- يا ويلي يا معتمد، إنني حقاً لم أرَ منك خيراً قط!
فقال لها باكياً:
- ولا حتى يوم الطين؟
وقد قصد بذلك اليوم الذي صنع لها فيه الطين من العنبر والمسك والكافور كي تلهو فيه في ساحة قصره في إشبيلية!
فبكت "اعتماد" واعتذرت له!


والأعجب أن "اعتماد الرميكية" قد ماتت قبل المعتمد بأعوام، فكَتب على قبرها تلك العبارة التي ما زالت هناك شاهدة على قصة حب خلّدها التاريخ:
هنا قبر اعتماد الرميكية، زوج المعتمد، التي شاركته في نعيمه وبؤسه.


2017-05-17-1495059204-9513609-img_0225.jpg

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.