المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مجيب  Headshot

ثقافة العنف في المجتمع

تم النشر: تم التحديث:

يُعرَفُ العنف بأنه استعمال للقوة أو للسلطة لقتل أو إيذاء النفس أو الآخرين جسدياً أو نفسياً، أو لتدمير أو تخريب الممتلكات، وهو سلوك لم يتوقف منذ فجر الإنسانية على وجه الأرض في أي من المجتمعات أو الحضارات التي عمرتها، وإن كانت كل الأديان والفلسفات والقوانين والمناهج التربوية تنبذ هذا السلوك وتحاربه، وقد أصبح يتخذ أشكالاً مختلفة مع تطور حياة البشر منذ حياة الغاب والنهب والصيد إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تم توقيع ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وإلغاء كل أشكال العبودية والتعذيب والاستغلال والاستبداد وتجريمها، مروراً بعصور الحروب الدينية والعرقية الطويلة والمظلمة.

عموماً فكل الأرقام والدراسات التي تتناول تاريخ العنف البشري تؤكد أن هناك انخفاضاً كبيراً في مستويات العنف بشكل عام، وأن البشر يعيشون حالياً سلاماً وتعايشاً غير مسبوق، وإن كان الأمر يبدو مختلفاً بالنسبة للكثيرين، خصوصاً ممن يمجدون الماضي باستمرار ويصفونه بالزمن الجميل، وقد يكون كذلك فعلاً قياساً بحاضر المجتمعات العربية؛ حيث إن الحروب والصراعات الدموية لا تتوقف، كما لا تتوقف حالات العنف الفردي المتزايد والمرتبط أساساً بضعف الوعي وبمشاعر العدوانية المفرطة تجاه الآخر أو بالكثير من الأعراف والتقاليد.

يبدو أنه من المستحيل أن نعد حالات العنف الذي يصدر عنا وعن الآخرين كل يوم، سواء في محيطنا الاجتماعي أو الأسري أو في باقي الأماكن وفي مختلف المناسبات، في العمل، في الطرقات، في الفضاءات والمؤسسات العمومية، في التجمعات العامة وفي الملاعب الرياضية، عنف من الجميع ضد الجميع، عنف ضد المرأة، ضد الأطفال، ضد الموظف، ضد المعاق وضد المختل.

تشعر في كل لحظة أن الناس على استعداد دائم للمواجهة، وأنه لا مجال للحوار والتفاهم، فمشاعر العدوانية تطغى دائماً على أي نقاش أو حوار أو حادث بسيط، كما أن هناك غياباً تاماً لأي تآزر أو تعايش أو مواطنة أو أي شعور بالمصير المشترك.

واقع صعب ومخيف، يفرض علينا جميعاً تحمّل مسؤولياتنا، كنا ضحايا لأي نوع من العنف أو كنا متسببين فيه.

إننا في الغالب ما نتحدث عن العنف الأسري فقط، وخصوصاً العنف ضد المرأة أو العنف ضد الأطفال، ويتم تناول الموضوع كأنه مشكل معزول، ولا يتطلب إلا المزيد من الصرامة الأمنية وترسانة قوانين زجرية، ونتجاهل بذلك أن العنف بات سلوكاً عاماً وشاملاً في المجتمع؛ حيث إن هناك الكثير من أنواع العنف التي أصبحت مألوفة وتكاد تكون مقبولة وطبيعية، كالعنف في المؤسسات الصناعية أو الإدارية، والعنف في وسائل الإعلام الذي أخذ في التزايد مع وفرة القنوات الإذاعية والتلفزيونية الحرة التي عادة ما تهدف للربح المادي، أو لخدمة شخص أو جماعة سياسية أو أيديولوجية محددة، وقد تسلك من أجل ذلك كل الوسائل الممكنة، من تشهير وسب وقذف وتزييف للحقائق ونشر الصور المهينة للضحايا.

كما أن هناك عنفاً خطيراً يصعب التحكم به وهو عنف التواصل الاجتماعي؛ حيث تتعرى حقيقة المجتمع ومستوى الوعي والتماسك لديه، دون أن ننسى العنف الرمزي الأكثر شيوعاً في مجتمعاتنا، والمتمثل في تخريب الممتلكات العامة وتفشّي الأنانية المفرطة في الاستفادة من الفضاءات العامة، وأخيراً لا يجب أن نتجاهل العنف المرتد على الذات المتمثل في التعدي على النفس وتعنيفها.

يُجمع الكثير من علماء النفس على أن العنف قلّما يكون وراثياً، فأغلب الحالات تكون نتيجة الضغوط والإحباطات التي يعيشها الفرد؛ إذ تنهار روابط الألفة والمحبة والتعاطف اتجاه الآخر، وتحل محلها مشاعر الغربة والاضطهاد والعداء، وتُلصَقُ بالآخر كل الشرور، كما يقول إينار (في جرائم العنف، يتحول الآخر إلى أسطورة، أسطورة السوء والخيانة والحسد والاضطهاد وانعدام القيمة)، وبالتالي فهو يستحق كل التحقير والألم، وفي المجتمعات العربية يعيش الإنسان كل أنواع الضغوط والإحباطات، ويعيش حالة خوف مستمر، خوف من السلطة ورموزها حيث لا مجال لأي معارضة حقيقية والتمرد قد يكلف الشخص حياته، خوف من المجتمع؛ حيث يتعرض للاضطهاد والعزلة كل من خالف العادات والأعراف والتقاليد. خوف من فقدان العمل أو فقدان الصحة، خوف من الحاضر وقلق على المستقبل، يلازمه الشعور بالعجز والقهر والدونية، هذه المأساة الدائمة تفجر في الإنسان مشاعر العدوانية تجاه الجميع، وتنفجر سلوكاته العنيفة في أي مناسبة وأي حدث ولو كان بسيطاً.

العنف آفة تنخر بنية مجتمعاتنا بشكل مباشر وغير مباشر، عكس ما يبدو عليه الوضع من هدوء وتعايش، والقضاء عليه لن يكون ممكناً إلا بفهم دقيق لواقع وظروف عيش الإنسان، فالمواطن العربي يحتاج إلى ثقة كبيرة في المؤسسات الرسمية، والاعتراف به كمواطن فاعل له حقوق وواجبات بالتساوي مع الجميع، كما يحتاج لمؤسسات خدمية تحفظ كرامته ولإعلام قوي وراقٍ يحترمه ويطرح كل قضاياه ويمثل صوته وصورته.
أما المقاربة الأمنية والمناهج التربوية التي تتناقض مع الواقع المعاش والحملات التحسيسية والاستعراضات المناسباتية فهي هدر للوقت والجهد والإمكانيات، ولا يمكنها إطلاقاً أن تحقق أي نتيجة؛ ليستمر مسلسل إنتاج العنف مع كل جيل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.