المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مشرف Headshot

إيران... عندما اصطادها العرب في الماء العكر

تم النشر: تم التحديث:

لم يعرف المسلمون في العقدين الأخيرين جماعات إسلامية شيعية متطرفة (ومنظمة) تستهدف مدناً شيعية مسالمة!

ولم نترب نحن الشباب «غير المطلعين» أصلاً على وجود فِرَق إسلامية وفَرق بين مجتمعاتنا المتدينة إلا بعد ثورة إيران مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وشروع الخطابات الإسلاموية في بدء مسيرتها اتجاه القيادة في بعض دول العالم العربي.

إيران كانت تمثل دورها الذي رسمته لنفسها طيلة القرون الماضية، فهي بلاد فارس قبل وبعد الإسلام، وهي إيران في ظل وجود العالم العربي أو في عدم وجوده مهما اختلفنا أو اتفقنا على هذا الأمر.

وجد العرب فرصتهم ضد إيران عندما أصابها ما أصابنا نحن العرب اليوم من فوضى ما بعد الثورة. سُلت السيوف لمهاجمة «شرطة المنطقة» كما كان يطلق عليها، وتم ابتكار فكرة نحن مسلمون وهم شيعة!... لنبرر نظرتنا ونوايانا اتجاههم.

واليوم... انقلب السحر على الساحر، أصبحنا نحن من يعاني همّ الطائفية، والحروب النفسية الشعواء التي يعيشها معظم سكان المنطقة بين طوائفه المتعددة، لا هم اصطادوا إيران في المياه العكرة! ولا هم أنجزوا وتغلبوا على أنفسهم ليصبحوا ضمن العالم الأول.

وها هي اليوم بعد القليل من الخصام أخذت إيران بركة العالم ونعمة الله عليهم ليتوجوا صبرهم بـ «اتفاقية ليلة القدر» لهذا العام، أو كما يحبون أن يبرزوا هذا الأمر: بفضل الله عليهم.
*****
لا تكسب الطائفية أبداً... ولا نكسب نحن العرب أي تقدم بالإنكار على وجود إيران في هذا العالم سوى المزيد من دفعهم للمقدمة. لا يريد المستقبل منّا سوى العمل على أنفسنا، والمزيد من شحن همم التسامح لجيل قادم أقل ما يُقال عن وصف حالته: إنه سيعيش دوامة التأخر والمزيد من الطائفية التي لا تُبشر باختفائها أي مؤشرات حقيقية.

وعودة لإيران... أصبحت اليوم هي من تصطاد أخطاءنا في الماء العكر... اعتادت سياستهم على الصبر أمام عيوب العرب وهمجيتهم، كرست نفسها بعد حرب العراق لتكسر مشاكلها بتسليح نفسها ومجتمعها بعلوم اليورانيوم والأسلحة النووية، ولم تعد تحتاج حتى لبعض أبسط مقومات الحياة التي اعتاد عليها الفرد العربي المتأخر!... كل ذلك لأنها تعلم يقيناً أنها ستواجه صدام حسين آخر في المستقبل ... ولن تتهاون بجعل تاريخها الفارسي ضحية لأي مطامع سياسية أخرى.

إيران ستظل إيران... والعرب سيتغيرون إن قرروا التغيير!

وحتى اليوم لا نرى إلا أصابع الاتهام تطال إيران وشيعتهم، وكأن تأخر وجهل وفقر المنطقة لا يخصها!

هل ما زال هُناك مستقبل للعالم العربي؟ سؤال طرحه الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي معقباً على مزايدة البعض حول السؤال: هل هُناك أصلاً عالم عربي؟ بعد هذه المشاكل والثورات... لم يتطرق السيد المرزوقي لمشاكلنا مع إيران بل كل ما كانت تبحث عنه كلماته هو بصيص أمل دون محاولات جوفاء للعبث بعصا الطائفية، خصوصاً ضد إيران.

ليست محاولتي هنا اليوم التركيز على تمجيد إيران ومهاجمة العرب، بل إنني وإن وجدت أسباباً لتأخرنا بعد ثلاثة عقود من تأخر إيران أيام ثورتها فهي بالتأكيد مشاكلنا الخاصة وليس وجود إيران بالقرب منّا. ولعل أول الخطوات لمعالجة هذا التأخر هو تدارك كل ما يتعلق بسلوك وقناعات الطائفية اتجاه أنفسنا لنتمكن أولاً من التعايش ثم لنتقدم بعض الخطوات للتنمية... وربما أخيراً بعدها سنحل مشاكلنا السياسية مع أي جهة كانت بعيداً عن الدين وثقافة الشيعة والسنة.

شهد التاريخ الحديث أن بعض المجتمعات التي أدارت تركيزها اتجاه أنفسها أنتجت ونجحت وخرجت للعالم بمستقبل يتمناه كل من أدار تركيزه لغيره!

الصين واليابان وكوريا وسنغفورا وماليزيا في الشرق... ألمانيا وتركيا والنمسا في أوروبا خير أمثلة نقتدي بها، ولعلنا بهم لا نصطاد الآخرين في أي مياه عكرة.