المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مشرف Headshot

لماذا لم يشجع القرآن على الحب؟

تم النشر: تم التحديث:

أنا من المدرسة التي تؤمن تماماً أن كل علاقة في هذه الدنيا مشروطة بأمر ما، ولا يوجد حب يستمر بين اثنين أو بين أمرين دون عملة مدفوعة.

عملة الصداقة هي الاهتمام والوقوف عند الأزمات والمراعاة والرحمة والود، وقبل كل ذلك النية الحسنة، وعملة العشق (ربما) هي العطاء.. والصبر وتحمل العيوب.

يذهب الموظف إلى عمله ليس بالضرورة حباً لرئيسه أو شركته، وإنما مقابل الراتب بالدرجة الأولى، الذي يجعله يصبر على كل أمرٍ سيئ آخر، حتى يستوعب أنه أصبح مجرد آلة تؤدي العمل، فإما أن يستسلم، وإما أن يترك مكانه.

الحب.. (كشعور) ينقص ويزداد ويتأثر باختلاف الظروف والحاجة إليه، فعندما تُحبني إنسانة ما في هذا العالم، سينقص هذا الحب تدريجياً عندما أصفعها (كف) على وجهها عدة مرات، وسيختفي تماماً بعد العديد من التصرفات السيئة التي ستخرج مني، وأيضاً الصداقة بين كل طرفين، ستنقص تدريجياً عند بُعد المسافات، وربما تختفي عند ازدياد سوء التصرفات من أحدهم أو عند تقلب المزاج بشكل مستمر، أو إظهار عدم الاكتراث حتى تصل إلى تلك الدرجة التي يكون فيها الانفصال أفضل لجميع الأطراف.

في أهم العلاقات الإنسانية وأسماها في هذه الحياة، لم يراهن القرآن على الحب، وإنما راهن على أمور في يد الإنسان.

في حالة التزاوج مثلاً راهن على المودة والرحمة في قوله تعالى "وجعل بينكم مودة ورحمة"، وفي العديد من المواضع التي تخص بر الوالدين لم يحث القرآن ولو لمرة واحدة مباشرة علي ضرورة حبنا لوالدينا (ولو أن الحب والبر أمران مختلفان تماماً في رأيي، وربما يطول شرح هذا الأمر هنا).

يضع القرآن العلاقات الاجتماعية في إطارها الصحيح والموضوعي دون أي مبالغة أو عاطفة لا يستطيع الإنسان العادي التعاطي معها، فلم يراهن على حبنّا لزوجاتنا؛ بل راهن على "المودة والرحمة" وعند الوالدين "بالبر والإحسان"، ولعل قراءتي الشخصية -دون إفتاء- أن المودة والرحمة سلوكيات يمكن للإنسان حتى عديم الإحساس تبنيها، فلا يمكنك مثلاً أن تُلزمني بحبك، ولكن أنا ملزم (إنسانياً) معظم الوقت وعند معظم الظروف أن أحترمك، وأن أعاملك بود، وقبلها أن أكون رحيماً عليك وتكون رحيماً عليَّ كما أتوقع منك.

يتحول الشغف والحب بعد مراحل البداية إلى أمر آخر نطلق عليه مجازاً "العِشرة" ويحسم تسميتها القرآن بـ"المودة والرحمة"، ولا أستطيع في مثال آخر أن أطلب من ابن أن يحب والده القاسي والمجرم والمهمل حباً غير مشروط، لكن يمكن لي أن أستخدم بطاقة "البِر" لأجبره على مداراته والتعامل معه بود ولطف.

ولعل مأخذي الشخصي هنا تاريخياً واجتماعياً أن الآباء بالغوا في استخدام بطاقة البر لتمرير ما يرونه مناسباً في حياة أبنائهم بذريعة "أن البر سيقودهم إلى الجنة، وقبلها إلى التوفيق".

أزعم شخصياً أن علاقتي بوالدي رائعة، ولله الحمد، أحبهما جداً.. ليس لأنهما أبي وأمي بالدرجة الأولى؛ بل لأنهما بالفعل أغدقا عليَّ بالحب والحنان والتربية الحسنة والمال والاهتمام (العملة التي استخدماها في علاقتنا) حتى اللحظة، وسيظلان كذلك لبقية العمر، أحبهما لشخصهما، وأبرهما لأنهما والداي!

أجد شخصياً أن العلاقة الإنسانية الوحيدة غير المشروطة هي علاقة الأبوين تجاه أبنائهما (وليس العكس)؛ بل إن الأمر طال لأن ينبهنا الله في كتابه "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ"، لا أعلم ما هو السر الإلهي الكبير خلف هذا الأمر، فبصدق تحولت حياتي تماماً لتدور حول مصلحة بناتي، ولا أعرف لماذا يزداد هذا الحب يوماً بعد يوم، لكن ما أعرفه بالتأكيد أن تنبيه القرآن والمشاعر التي أشعر بها شخصياً خارج المشاعر الإنسانية الاعتيادية التي تتطلب الموضوعية بالتعامل معها.

أجد أن علاقة الحب بيني وبين أي أمر أهتم له، تعود إليَّ في المقام الأول، فإن أهملت.. سيهملني الأمر/الإنسان الذي أهتم له والعكس صحيح، وبالتالي ستبدأ العلاقة بالبرود، وسينتهي الحب، جربت هذا الأمر مثلاً مع مهنة "الكتابة" ومع بعض الأصدقاء القدماء وحتى مع سيارتي، وقد وجدت بالفعل أن الاهتمام المستمر ربما يكون العملة الأهم في مداراة شمعة الحب واستمرار العلاقة والعطاء.

لاحظ أنني تطرقت لمداراة الحب وليس لظهوره؛ لأنه أصلاً شعور في أغلب الحالات لا يكون بيد الإنسان، ولكن مداراته التي تتحول لأمر آخر فيما بعد (المودة والرحمة ربما) هي التي ستكمل اشتعال الشمعة.

أختم هذه الكلمات التي حاولت أن أبتعد فيها عن التطرق لأمر ديني بالدرجة الأولى ليكون أمراً نفسياً، بأن السر خلف نجاح العلاقات مع أي شيء آخر يكمن في كلمة "المُداراة".. أو "المودة والرحمة".. مع أي شيء وأي شخص.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.