المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محسن Headshot

مشهد من داخل الزنزانة!

تم النشر: تم التحديث:

" قصة قصيرة"
سقط أمامي مباشرةً.. تفصلني عنه بضع خطوات.. أُحدّقُ فيه مفزوعاً، جسده ينتفض.. فينتفض جسدي معه.. توقفت عقارب قلبي عن الدوران.. اختفت كل الأصوات من حولي، ولم يبق إلا صوت أنفاسه.. استجمعت ما تبقى منّي.. لملمت أشلاء خوفي.. اقتربت منه وجثوت أمامه.. مددت يدي إليه.. وفجأة.. أوقفني صوتٌ ما..

الصوت: حذارِ!
التفتُّ إليه، فعاد ليقول: ماذا تريد أن تفعل؟
أنا: إنه يموت.. أود أن أحمله.
الصوت: المكان مليء بهم.. لو حاولت مساعدته لن يتركوك.
أنا: وكيف أتركه هكذا؟
الصوت: لو حاولت إنقاذه فلا سبيل إلى نجاتك.
أنا: ولكن..
الصوت: إنه يحتضر لا جدوى مما تفعل.
أنا: أود أن أضم رأسه إلى صدري.
الصوت: وبعد؟
أنا: الأرض قاسية جدا.
الصوت: سيموت على كل حال، سواءً أسندت رأسه إلى صدرك أو تركتها إلى جفاف الأرض.
أنا: فلينعم بلحظة دفء أخيرة.
الصوت: لو رأوك وقد تلوثت ملابسك بدمائه فسيذيقونك ألوان العذاب.
أنا: لم أفعل شيء.. لا أريد إلا أن ينعم بلحظة دفء.
الصوت: ألا تفهم؟ هم لا يريدون!
نظرت إلى يديّ.. تفصلها عن ملامسة جسده المخضب بالدماء سنتيمترات قليلة.. ماذا أفعل!
الصوت: لقد مات!

نظرت إليه.. توقف جسده عن الانتفاض.. صعدت روحه إلى السماء.. وسقط قلبي على الأرض!
وقفت متجمداً أمامه.. لم أستطع منع دموعي.. لم أحضر لأي تعبير وخانتني كل الكلمات.. بعد لحظات.. أقبلت مجموعة يبدو أنهم زملاء زنزانته.. حملوه إلى مكانٍ ما.. أما أنا.. فظللت جاثياً مكاني أمام بركة الدماء المتخلّفة عنه.. والآن فقط.. غمست يدي في دمائه!

دوّت صافرات السجن آمرةً الجميع بالعودة إلى زنازينهم.. خلت الساحة من حولي.. إلا من أصوات ضحكات لبعض الجنود أعلى برج المراقبة.. وبعض همهمات من ذلك الجانب هناك.. وفجأة.. شعرت بفوّهة باردة تلتصق بظهري.. ثم هوى شيءٌ ما على رأسي فأفقدني الوعي.
كانت هذه نهاية القصة.. لكن كيف بدأت؟..

فلاش باك.. الخامس والعشرون من يناير من عام 2016 ، العاشرة صباحاً.. أجلس مع رفيق زنزانتي "أنس" على حَجَرٍ صغير في زاوية ساحة التريّض.. مرّ علينا شاب في العشرينيات من عمره.. نظر إلي بعينيه البنّيتين كأنه يريد أن يقول شيئاً.. لكن فحيح أمين الشرطة من خلفه أجبره أن يُكمل طريقه.. فألقى إلينا ورقة.. عندما فتحتها لم أجد فيها إلا جملة واحدة "تمام العاشرة والنصف عند باب السجن.. سنجبرهم على فتح الزيارة".. لم أفهم ماذا يريد منّا، كيف لنا أن نجبر هؤلاء الحرّاس على أي شيء؟.. مرّت دقائق.. وفجأة.. اهتزّت الأرض من حولي.. كلهم يهرولون نحو باب السجن الرئيسي.. وقفوا أمامه وظهر ذلك الشاب الذي ألقى إلينا الورقة وبدأ ينظمهم في صفوف.. وجدت نفسي في مقدمة أحد الصفوف، ولا أدرِ كيف أوصلتني قدماي هاهنا!

كنت أقرب المُعتقلين منه عندما بدأ يتحدث.. عن ثورة كادت تأتي بالحرية.. إلاّ أنهم اغتصبوها.. عن كرامة باتت قريبة.. إلاّ أنهم اغتصبوها.. عن أمنيات اقترب تحقيقها.. إلاّ أنهم اغتصبوها..
ثم قال.. "خايف أنام، أصحى على ضربة من بيادة.. خايف ينسوني هنا.. خايف أمي تموت من غير ما أشوفها.. خايف أتعدم وأنا معملتش حاجة".

لم يكد يكمل حديثه حتى تجمّع الحرّاس حولنا يحملون أسلحتهم.. أمروا الجميع بالانبطاح أرضاً، وإلا سيطلقون النار.. انبطح الجميع.. وبقي هو واقفاً.. أمسكت بيده وجذبته نحوي لينبطح على الأرض.. قرّب فمه من أذني وهمس لي "أخبر أمي أن تتبرع بكل ملابسي للفقراء.. ويوجد في درج خزانتي ساعة يد.. فلتتبرع بها أيضاً".. ثم أدار وجهه للحرّاس..

وفجأة.. ادخل يده في إحدى طيات ملابسة.. ليُخرج شيئاً مربّع الشكلِ صغير.. كان يُخبّئه داخلها.. فَزِعَ الحرّاس منه.. ثم دوى صوت طلقة رصاص.. بدا ثابتاً لوهلة.. ثم ارتخت يداه.. وسقط منها مصحفه الصغير على الأرض.. نظر إليّ وقال "قول لأمي ساعتين يا أحمد.. ساعتين مش ساعة واحدة"..

ثم.. سقط أمامي مباشرةً!

"انتهت"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.