المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد هارون Headshot

إسلام إبليس!

تم النشر: تم التحديث:

كنتُ وقد غلبني شيءٌ من اليأس في طريقي إلى الاستسلام التام بعد أن فقدت عملي منذ عِدة أيام نتيجة الركود والتخبط الاقتصادي في البلاد مؤخراً، إلا وقد كان لأحد أقاربي رأي آخر بعد أن علم ببطالتي وعرض عليَّ العمل معه.. فلم أرفض بالتأكيد!

ربما لم يكن "السوبر ماركت" هو العمل الذي أتطلعُ لامتهانهِ يوماً، رغم أنه قد جربني العمل به وبادلتهُ التجربة كثيراً من قبل، ولكن ذلك حال الدنيا.. نُبلي في البحث عمّا يرضينا وعن السعادة فيها الخِفاف والأقدام، ونُفني في سبيلها الليالي والأيام، ونقصد لرّيها كل ماء.. طوال حياتنا، وربما ما وجدنا منها شَربةً ولا وجدتنا أبداً.

لمعت عيني على مسجدٍ بناؤهِ مهيب يتوسط أحد ميادين "هليوبوليس" عند أول زيارة لي في مقر العمل الجديد، وكانت كل الشواهد من حولهِ تُشير إلى الهدوء، وهذا ما كنتُ أتمناه بعد الفترة الأخيرة العصيبة التي كنت أعيشها، موقعٌ شِبه أثري ومكان يحمل بين طيَّاتهِ تاريخاً عريقاً رغم حداثِةِ عهدِه، فتلك الأبنية التي شيَّدَها أصحابها في أوائل القرن الماضي تركت وراءها من الآثار ما يدل على وجودها في يوم من الأيام بعكس ما لا تراه بمعظم أحياء القاهرة الآن، تركت وراءها جمالاً لا تَؤودهُ أبراج ولا تشوبهُ أيدي بانيها، ولما كنت أتفقد أركان الميدان وأجوب بخيالي وأسرح بين الشوارع والأزِقة وعلى وجهي ابتسامة بلهاء غير مُبررة للناظرين، اغتال شاب عشريني كل شيء مُقاطِعاً: سوجارتين "ميريت" والنبي يا شبح.

استسلمت لندائهِ بالطبع ولبيتَه من غير أن أُبدِي ضيقاً من طلبهِ أو ضجراً، وبعد أن مددتُ يدي إليه بالـ"ولاعة" بِناءً على طلبه الثاني، وبعد أن سحب من سيجارته نفساً عميقاً أتبع قائلاً وهو يمُد يدهُ إليَّ بالسلام: أخوك إسلام إبليس، أي حاجة تعوزها تحت أمرك.. هتلاقيني معاك هنا كل يوم. وماذا يريدُ مِثلي من مثلِك يا تُرى! - لو بتشرب لاغيني بس وهظبطك خِبت وخابت معرفتك! لم أتفوه بتلك الكلمات أمامه طبعاً، فشخص على شاكلته وهو شاب يافع نحيل، بطول قامته ويده المرتجفة وبهالات عينيه السوداء التي تكسو أسفلهما لن يكون الاحتكاك بهِ أو العِراك معه إن لزم الأمر هو الحل الأمثل.. نعم يبدو على جسده الضعف ولكن الأمر لا يسلم؛ لذا اكتفيت بتوجيه الشكر إليه ومن ثَمَ أتبعتهُ بالصمت ومباشرة عملي من جديد.

كان لإسلام صُحبة من الشباب تزيد عن خمسة منهم أو تنقص ترافقهُ كل ليلة، يجتمعون بجواري ويتبادلون "السجاير الفرط" بينهم ويدخنون الحشيش وسط صوت عالٍ وصخب، وقهقهات رنانة وأغان على كاسيت السيارة تنسَدُّ من فرطِ ضجيجها الآذان.. أما ليلة الخميس فكانوا يشربون الخمر والـ"فودو" ويمكثون حتى صباح يوم الجمعة ويغادرون قبيل الصلاة، لم أكن أهتم لأمرهم كثيراً، حتى جاءني مرة أحدهم وقد أدركنا مطلع الفجر - وفي ذلك الوقت أكون عادة أشاهد التلفاز بعد أن أكون قد انتهيت من زحام الناس ومن عملي - اقترب إليَّ أكثر فأيقنت أنه يريد أن يقول شيئاً.. تحدثتُ إليه طويلاً وظل هو يحكي إلى أن سكت الكلام عن الكلام وانصرف بعدها..

جلستُ على الكرسي وأنا أتأمل وجههِ ووجوههم بتعاطُفٍ للمرةِ الأولى.. رأيتهم طيبين غير أن الظروف هي التي حالت بينهم وبين الصلاح، يشربون الخمر ويدخنون الحشيش وغيره، وإن وجدتهم رأيت كل مرة في أعينهم الحزن كما أرى سوادهما وبياضهما إن دققت فيهما النظر.. حتى وإن صاحوا في صخبٍ أو قهقهَت ضحكاتهم فإني أرى في أعينهم الرجاء، أو ربما الضعف وقِلة الحيلة! أتساءل دائماً عن مصير أولئك المحزونين، وفي كل مرة أراني أُلقي بأمرهم ورائي وأُلقي بنفسي خلفهم.. فجميعنا في نفس القارب الغَرِق، يميزنا فقط عنهم أنّا لدينا غطاء إضافي من الستر!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.