المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمد فودة Headshot

حرب ترامب على الإسلام

تم النشر: تم التحديث:

اندهش كثيرون من الصراحة الشديدة للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب في إعلان عدائه للإسلام والمسلمين، التي وصلت إلى درجة إعلانه أنه سيقوم بمنع المسلمين من الهجرة إلى بلاده، بل وحتى وضع المسلمين الأميركيين فيما يشبه المعسكرات المغلقة تماماً، كما فعل هتلر مع اليهود؛ حيث قال في أحد تصريحاته خلال حملته الانتخابية: "فلنخرج جميع المسلمين من البلاد، ولنبنِ حاجزاً بيننا وبينهم"، كما أكد أن "استطلاعات الرأي أظهرت أن المسلمين يكرهون الأميركيين، وهو ما يشكل خطراً على البلاد، ولذا وجب عزلهم حتى يتوصل نواب الشعب إلى فهم واضح لأسباب تلك الكراهية"، كما قال.


والحقيقة أن حرب ترامب على الإسلام ليست غربية أو خارج السياق العام للثقافة السائدة في الغرب، رغم محاولات بعض المثقفين، وحتى السياسيين، تغيير هذه الثقافة، على الأقل أمام المسلمين، مثل تلك المحاولة التي قام بها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما، حينما خطب في جامعة القاهرة بمصر في عام 2010، معلناً أن بلاده لن تكون في حرب ضد الإسلام.

وقد حينها علّق الصحفي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط باتريك سيل، في محاضرة ألقاها في "الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط"، تحت عنوان "حرب أميركا على الإسلام"، في الثامن عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني من ذات العام، مشيراً إلى أن الأمر الوحيد المؤكد رغم حديث أوباما هو أن واشنطن في حرب حقيقية ضد الإسلام.
ودليله على ذلك هو استمرار نفس السياسات التي تتبعها واشنطن، وأهمها تأييد الحكومات المستبدة في العالم الإسلامي، ومنع أي تحول ديمقراطي، والتأييد الأعمى لإسرائيل على مدى أكثر من 60 عاماً، وحمايتها الكاملة لها من أية إجراءات عقابية قد يتخذها مجلس الأمن.

لكن ما لم يذكره "سيل" وظهر في تصريحات "ترامب" العنصرية ضد المسلمين، هو أن الصراع بين الإسلام كدين وحضارة مع الحضارة الغربية، هو صراع قديم ومستمر، وليس وليد تلك السنوات أو حتى العقود الماضية.

فقد بدأ منذ اللحظات الأولى لانتشار دعوة الإسلام في الجزيرة العربية، ومع الرسائل التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم لقادة الإمبراطوريات المحيطة بالدولة الإسلامية الوليدة، يدعوهم فيها للدخول في الإسلام، ومنها الإمبراطورية الرومانية في الغرب، ثم تعزز هذا الصراع عسكرياً مع دخول الدولة الإسلامية في صدام عسكري مع خطوط التماس المسيحية في غزوة مؤتة ضد جيش الغساسنة المتحالفين مع الإمبراطورية الرومانية حامية المسيحية في ذلك الوقت.

ومع ازدياد انتشار الإسلام وتوسعه شرقاً وغرباً واستمرار تهديده لأطراف تلك الإمبراطورية في عهد دولة الخلفاء الراشدين ومن بعدها الدولتين الأموية والعباسية، ثم انطلاقه لتهديد قلب هذه الإمبراطورية فيما بعد، خصوصاً في عصر الدولة العثمانية، عمل الغرب على مواجهة هذا التهديد القادم بكل وسيلة ممكنة للحفاظ على هويته وكيانه من الذوبان في الإمبراطورية الإسلامية الجديدة، كما ذاب غيرها من الإمبراطوريات كالإمبراطورية الفارسية.

وكان من أبرز الوسائل التي اعتمد عليها الغرب للدفاع عن نفسه محاولة تشويه الدين الجديد أمام المجتمعات الغربية من أجل منع أفرادها من التفكير في محاولة استكشاف هذا الدين والتعرف عليه ومن ثم الدخول فيه.

وقد تطورت هذه المحاولات حتى أصبحت علماً له قواعد تحكمه، وله رواده من مشاهير المثقفين والكتاب الأوروبيين، وهو ما عرف بعلم الاستشراق.

ثم تطورت علوم أخرى مرتبطة به، أبرزها علم الأنثروبولوجيا الذي عمل بمساعدة علم الاستشراق على تحقيق هدف الدفاع عن الهوية الأوروبية المسيحية، إضافة إلى بناء قاعدة علمية ومعرفية ساعدت فيما بعد الدول الأوروبية في تحقيق سيطرتها على الإمبراطورية الإسلامية بعد إضعافها، ثم تفتيتها إلى دول ودويلات صغيرة متشاحنة ومتقاتلة حتى تبقى تابعة لها بعد استقلالها الصوري عن الاحتلال الأوروبي في منتصف القرن العشرين.

بعد نجاح المرحلة الأولى من عملية مواجهة الإسلام عبر تشويهه في أعين أبناء المجتمعات الأوروبية، بدأت المرحلة الثانية التي كانت موجهة إلى الخارج، أي إلى الإمبراطورية الإسلامية ذاتها التي بدأت تشهد ضعفاً وانقساماً جعلها مطمعاً لأعدائها وفي مقدمتهم الأوروبيون.

وخلال هذه المرحلة سعى الأوروبيون إلى السيطرة على هذه الإمبراطورية عبر تشويه صورة الإسلام في عيون المسلمين أنفسهم، بصرفهم عن عقيدتهم توطئة لتنصيرهم والسيطرة عليهم؛ لأنهم كانوا يعلمون جيداً أن قوة المسلمين وعزتهم تكمن في تمسكهم بدينهم، ويظهر ذلك في بحوث المستشرقين حول العقيدة الإسلامية والسيرة النبوية والتاريخ ‏الإسلامي، بل القرآن الكريم والسنة المطهرة.

وقد اعتمدت الدراسات الاستشراقية على عدد من المناهج من أجل تحقيق الهدف الأساسي لها وهو تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وكان من أبرز هذه المناهج منهج الإسقاط، الذي يعرفه علماء التحليل النفسي على أنه "حيلة نفسية، يلجأ إليها الشخص كوسيلة للدفاع عن نفسه ضدّ مشاعر غير سارّة في داخله، مثل الشعور بالذنب أو الشعور بالنقص، فيعمد إلى أن ينسب للآخرين أفكاراً ومشاعر وأفعالاً حياله، ثمّ يقوم من خلالها بتبرير نفسه أمام ناظريه".

ومن هنا عمد المثقفون والكتاب الأوروبيون إلى وصف الإسلام والمسلمين بشتى النقائص والجرائم التي تتصف بها حضارتهم ومجتمعاتهم المسيحية، بدءاً من اتهام الإسلام بأنه دين محرف، وصولاً إلى اتهامه بالإرهاب.

لم يتوقف منهج الإسقاط عند مفكري الغرب ومثقفيهم، خاصة المستشرقين منهم، والذي تحول إلى قاعدة لعمل الدول والحكومات الغربية عند هذا الحد، بل تواصل واستمر بمرور الزمان وتزايد النقائص والجرائم الغربية ضد العالم، خصوصاً بعد صعود الحضارة الغربية وسيطرتها على العالم، ممثلة في الاستعمار الأوروبي، خاصة البريطاني والفرنسي.

وبعد انحسار الدور الإمبراطوري عن أوروبا الذي تسلمته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، انطلقت واشنطن لتستكمل الدور المسيحي الغربي في مواجهة الإسلام، والعمل على القضاء عليه.

وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 لتمثل نقطة انطلاق جديدة لتدمير الإسلام، يقوم خلالها منهج الإسقاط الغربي بوصم الإسلام بجريمة الإرهاب التي نشأت وترعرعت في المجتمعات المسيحية، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة، ومارستها وما زالت تمارسها بشتى صورها ضد شعوب العالم المختلفة، خاصة الشعوب الإسلامية.

واستمر الأمر حتى مع وصول أوباما للحكم ومحاولته إظهار صورة مختلفة؛ حيث ساهم بشكل مباشر في القضاء على الربيع العربي الذي أراد إخراج الدول العربية من حالة التخلف والتبعية، ثم جاء ترامب ليعلن العداء الصريح للإسلام والمسلمين، وليستمر الصراع القديم المتجدد بين الإسلام والغرب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.