المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمد الأزهري  Headshot

المرأة المصرية بين القضبان‎

تم النشر: تم التحديث:

أنا لا أعترف بشرعية هذه المحكمة أو بكم، ولا أريد أن أعرفكم على نفسي باسمي أو عمري أو حلمي، أنا أعرفكم على نفسي بأفعالي التي تعرفونها جيداً، في هذه المحكمة أراكم غاضبين، وهو نفس الغضب الذي في قلبي.

كلمات قوية من روح أقوى تنفست بها الأسيرة المحررة أحلام التميمي في إحدى قاعات المحاكمات.

والآن تتنفس أسيرات مصر بهذه الكلمات يوماً بعد يوم، فالكلمات تتعدد، والأسماء تختلف، والروح واحدة متوحدة مصرّة على الصمود والصبر والقوة وعدم التضحية بالإنسانية والحرية التي فطرها الله لها.

إنها الحقيقة التي لا أحد يستطيع تزييفها والصدق اللاكذب فيه، وبعد ما حدث كل ما حدث.

ما الشيء الجديد؟ ما زال الجميع يلتزم الصمت، البعض مستاء وغاضب، والبعض يخشى الاستياء بينه وبين نفسه.

ولو قرأنا التاريخ بدقة وليس التاريخ المصري فقط، بل تاريخ الديكتاتوريات غير المصرية لرأينا نفس الورود الأسيرة باختلاف ألوانها، ولسمعنا تغريدات الطيور في أقفاصها، ربما تكون نفس الأقفاص والتغريدات باختلاف الطيور والورود.

تغريدات ألوان الحرية ضد قضبان أسود تملأ ظلام الظلم بنور الحق، وسنذكر بعضها فيما بعد.

ونأتي هنا إلى السؤال الذي يسأل لهن بعد خروجهن من الظلام إلى النور وانتصار أرواحهن الإنسانية في مواجهة الطبيعة اللاإنسانية.

سؤال طرحته مذيعة التلفزيون العربي على واحدة من الطيور منذ عدة أيام.

كيف كنتم تتعاملون مع الأسر؟ هل استطعتم مواجهة تلك الظروف القاسية؟ باختصار كيف كنتن تعِشن تلك التجربة؟!

الإجابة باختصار في كلمات يفوح من حروفها رحيق الإنسانية:
كنا نعيش التجربة بسعادة المأساة، وبفرج الضيق، وبحرية القيد، وبإنسانية الحياة الحيوانية، تجربة سليمة بمرضها ومريحة بألمها، عشناها ونفتخر دائماً بها ولماذا لا نفتخر! وقد علمنا العالم كله معنى الصمود بإنسانيتنا، ومن هنا..

المشهد الأول: أنا والقضبان

إحداهن واقفة في ليل دامس ظلامه، بين يدي ربها تشكو له أسرها، تدّعي أنها راضية بقدرها، تبكي وهي ساجدة بدموع تنادي الله -عز وجل- بفك هذا الظلم الذي وقع عليها، وأخرى واقفة بطولها أمام قضبان حديدي تمسكه بيدها، وتحدثه بلهجة العتاب؛ لأنه يحول بينها وبين الحرية، فتسرح بخيالها بعيداً لقاعة زفافها التي تحولت إلى سجن وسجان جبان، ويد زوجها أصبحت قضباناً من الحديد، فتحول كل شيء حولها عدا لون فستان فرحها، اللون الأبيض لون القلوب الذي مهما تأثر من شوائب السجن والسجان ربما يتسخ، ولكن لا يتغير.

المشهد الثاني

وهي ذاهبة إلي إحدى جلسات محاكمتها، نعم أنا على يقين أنها كانت تحدث نفسها، وتسأل عقلها، وتلوم روحها، لمَ يحدث لها الآن؟ ما الذي حدث؟ ما هذا القفص الذي يحيط بي، الأقارب والأصدقاء ينظرون لي بشغف وعطف؟!

فسلامات وآهات الوداع وكأنني يوم عرسي، واليوم أدافع عن نفسي في مشهد تخيلته سابقاً، ولكن ليس للاتهام بل للتكريم والتخرج في جامعتي أو مدرستي، ولكن ربما أبى الوطن أن يكون محققاً لنا أحلامنا.

الأسماء كثيرة، وتتعدد بين إسراء وروضة وسناء ويسرا وماهينور وآية، والأفكار والتوجهات ربما تختلف من عقلٍ لآخر، ولكن المؤكد أن الروح واحدة لا تختلف، ولا تتعدد في إنسانيتها وحريتها وطيبتها وسمو وقوة صمودها وصبرها.

أنا الفتاة وسط أشباه الرجال، أنا المواطنة بلا وطن، أنا الطائرة فوق الصقور، أنا النسمات تلحقها العواصف والرياح، أنا وردات ألوانها ترفض الاستسلام للذبول، أنا التي حررت سجاني من عبوديته للظلم والطغيان، أنا التي أضاءت بشروق قلبي ظلام السجن، وبضحكتي جعلت جدران الزنزانة لحمايتي لا لسجني.

ولكني بصوت آخر ينبعث منه الخوف والحزن والألم ونقاط الدموع التي تتساقط من حين لآخر على وطنٍ دفن أصحابه في زنزانة سوداء.

فأنا إنسانة قوية أحياناً، أو ربما أكون أضعف شيء خلقه الله أحياناً أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.