المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمد الأزهري  Headshot

يوميات معتقل.. عندما دخلت إلى زنزانة ضيقة

تم النشر: تم التحديث:

ها أنا انتقلت من مكان صغير فأصغر، اصطحبني ما يسمى "المسير" إلى عنبري الجديد، وهو يشبه مرافق زائر الفندق، ليدخلني بنفسه إلى غرفة هو الذي يختارها، فيفتحها لي ويأخذ معه مفتاحها ويتركها لي مغلقة، إلى أن يفتحها لي مرة أخرى في وقت آخر ربما لا أعرفه.

هل أنا في عالم آخر الآن؟! وما هذا العالم؟! شعرت بأنه ضيق للغاية؛ فأنا لا أتمكن من التفاف ظهري الذي كان مكبَّلاً بما يحمله من شنط وأكياس مذكراتي تغطيها ملابسي.

وبدأت في استقبال نظرات ترحيب واندهاش من ساكني هذا العالم والذين أصبح تعدادهم 7 أشخاص بعد وصولي. وبعد أن تحدث فمي لهم بالسلام وابتسمت لهم عيناي وانشرح صدري لهم، تعانقت بيننا أحضان الأخوة الممزوجة بالشفقة المتبادلة بيننا.

وبعد استطلاعٍ عينيٍّ، وجدت 3 شيوخ فوق الخمسين عاماً، أحدهم يشبه الشيخ الحويني بلحيته ناصعة البياض، وشابين فوق الثلاثين؛ أحدهما أصبح صديقي، والآخر شاب أصغر مني دون العشرين أعرفه جيداً؛ فقد سبقت معرفته في زنزانة سابقة، فكان بالنسبة لي أكثر من أخ.

بعد تعارف ومزاح بيننا جميعاً، كانت عيناي لا تستطيع الصمود طويلاً، ولكنها قاومت؛ استجابة لجوفي الجائع، فانتظرت قليلاً حتى سمعنا صوت مؤذن ينادي بصلاة المغرب، ليسمح لي بتناول طعام قد أحضره لي أخي؛ إذ كنت صائماً يومي هذا.

ثم قصرت وجمعت صلاتي الظهر والعصر معاً، ثم معهما المغرب والعشاء، فهم يجمعون صلاتهم ويقصرونها؛ نظراً إلى شدة ظروفهم التي أصبحت أشاركها معهم منذ اليوم.

وتحدثت معهم أكثر وأكثر، في زنزانة لا تتعدى الـ3 أمتار ومترين طولاً وعرضاً، خالية حتى من بيت الخلاء، فيها 5 طارات، ينام عليها 5 أشخاص، ومن ليس له طارة فهو على أرضه ماكثاً طوال يومه. وانتهى حديثنا بوجوب مراجعة ملخصاتي جيداً ونومي مبكراً؛ لاستيقاظي في معاد نومي نفسه؛ لتأدية امتحاني نشيطاً.

فتحدثت مع أخي الصغير، وتبادل معي مكان نومه في دوره الأول ونام هو مكاني على أرضي.

وقبل أن أذهب بعيداً في أحلامي التي ستأتي أو ربما تركتني في تلك الليلة وحيداً منهَكاً لا أستطيع حتى فتح عينيّ لأراها، وفي دقيقة عابرة، رأيت أمي وأبي وإخوتي وتذكرت رفاقي في مكاني القديم وزملاء دراستي، فهم حالهم مثل حالي في هذه اللحظة فقط نائمين متأهبين لامتحان الصباح.

لكن عندما يأمر الله الشمس بشروقها وتعطي الضوء الأصفر للصباح ليطلع من مخبئه في ليله المظلم، هنالك تتبدل الأحوال، فأنا لا أدري ما حالي؟ وكيف سيكون اختباري؟ أما هم فيتوقعون غالباً ما سيحدث لحالهم.

وانتهت دقيقة لتبدأ دقائق أخرى في نوم عميق مظلم ينتهي بدقائق أخرى لصباح يوم جديد.

وجاء يوم الفصل.. في السابعة والنصف صوت عالٍ مقزز يُفزعني بتخبيطه الشديد على باب زنزانتي. في محاولة سريعة مني لفتح عينيّ، اقتربت من الباب وأنا أجاوب "نعم، أنا من تنادي عليه.. نعم، عندي امتحان اليوم". فيأمرني بتجهيز نفسي؛ لأنه سيفتح لي الباب خلال ثوانٍ.

وبالفعل، أحضرت قلمي وورقي ونضارتي مع بعض ابتسامات ودعوات رفاقي لي بالتوفيق والنجاح.

واصطحبني بعد تفتيشي جيداً لفصل ربما يشبه فصلي عندما كنت صغيراً في مرحلتي الإبتدائية، ومعي بعض الطلبة الجنائيين الذين يتعاملون معهم بأبشع الألفاظ والسباب، ولكني لا أبالي، فالذي أبالي به الآن هو مراجعة ملخصاتي والأسئلة المتوقع أن تأتي بعد دقائق معدودة.

ورجل يأتي من بعيد، ليس بغريب ولكني لا أتذكره، يبتسم لي فقمت بالسلام عليه فعانقني بشفقة ولهفة واطمئن علي وعلى أحوالي، بعدما عرفت أنه قادم مع امتحاني ليقوم بدور المراقب، وأنه دكتور مادتي الذي ربما حفظتها ونسيته!

ولله الحمد، القلم لا يتوقف، ربما لأن ذاكرتي قوية أو غالباً مادتي سهلة. والمؤكد؛ لأن دعاء أمي في تلك الآونة هو الذي كان لا يتوقف.

انتهيت من كتابة إجاباتي كما أنتهي الآن من كتابة تدوينتي بكل سعادة وأمل، ورجعت من حيث جئت وابتسامتي تملأ وجهي وسلاماتي تملأ لساني وقلبي يمتلئ فرحةً من يومي، الذي أدركت حاله بعدما كنت لا أدرك؛ لأدخل مجدداً عالمي الآخر الصغير في سنتمتراته والكبير في أفكاره.

ليبدأ يوم جديد مختلف متشابه مع بعض الأشياء التي اختلف فيها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.