المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمد الأزهري  Headshot

متى أعود إلى سوريا؟

تم النشر: تم التحديث:

في أوقات كثيرة أتخيل نفسي كمواطن سوري، فما الذي كان سيحدث لي هل سأكون في تعداد القتلى أم الأسرى أم النازحين وربما أكون من اللاجئين؟ لا أعرف ولو كنت لاجئاً فمتى أعود لكِ يا سوريا؟

سؤال يتساءله مئات الآلاف المشردين اللاجئين في بلاد غريبة عنهم، سواء كانت عربية أو غربية، نبحث عن الهجرة لأي وطن آخر، ولا نريد النجاح في حياتنا، وتحقيق ما نأمله من طموحات المستقبل عندما كنا في صبياننا صغاراً،
ما نريده هو العيش في أمن وأمان حتى لو انْتزعت منا حقوقنا وكرامتنا وإنسانيتنا فلا نُريدها؛ لأننا عندما نتكلم عنها لا تأتي إلا بعد أن يأتي إلينا الدمار والطائرات المحملة بالبراميل المتفجرة.

وعندما نطلب تنفس هواءٍ نقي تأتينا غازات الكلور لقتل أطفالنا، ومع مرور الوقت نُصبح أشلاء تحت الأنقاض أو مدفونين تحت أرض أخرى ننتظر الموت إما بالإعدام السريع أو البطيء، فالنتيجة لا تختلف كثيراً، ربما ننزح بعد دمار بيوتنا وموت أقاربنا، أو نخرج من بلادنا نستغيث باللجوء في أي أرض نحيا عليها وتعطف علينا بعض الشعوب والأنظمة فتعطينا بعض الخيام والطعام والشراب والملبس لنستمر على قيد هذه الحياة البائسة.

أتكلم عن الشعب السوري الذي تشرد في كل مكانٍ، شعب ما أراد سوى الحرية عندما رأى شعوباً مجاورة تُنتزع حريتها من بن علي في تونس والمخلوع في مصر، فظنت أن الأسد سيهرب أو يُخلع كما حدث مع أصدقائه، ولكن اختلفت واختلت توازنات الثورة، وأصبحت الدبابات والشبيحة يواجهون الثوار، فتساوت إلى حد ما قوى الصراع، فبدأ التدخل الخارجي يزداد لدعم القوتين اللذين اشتهروا بالجيش النظامي والجيش الحر، وزادت قوة الجيشين وزاد معهما النزوح واللجوء والدمار والقتل والأسرى.

ومن جيشين إلى عدة جيوش وفصائل حتى الشعب السوري نفسه لا يعرفها ولا يعرف هي تحارب من أجل من، ولماذا، تَدَخل القطب الروسي عسكرياً ليُخفف المتاعب العسكرية الشيعية اللبنانية والإيرانية؛ لأن إيران الآن تدعم عصابة حوثية أخرى، وجبهة الثوار وجيشهم انقسم إلى نصرة ودولة إسلامية وقوات كردية تدعمها إدارة أميركية، وعدة جبهات وفصائل إسلامية وغير إسلامية، يحتار الشعب السوري نفسه في حفظ أسمائها وتوجهاتها وتمويلها.

وتنعقد المؤتمرات والطاولات تحت الإشراف الأممي في جنيف وأخرى برعاية تركية - روسية في أستانا، يتحدثون بلا سماع للشعب ويتفاوضون على أشياء ليست ملكهم، في النهاية ينجلي إلينا مبعوث أممي كالقمر في كماله لينادي بوقف العنف والالتزام بالهدنة التي لا توقف القتل والدمار.

بدأت المطالب برحيل بشار ومحاكمته لجرائم الحرب، وانتهت ببقائه والمصالحة السياسية والتوافق الوطني ومساعدته في القضاء على الإرهاب في الأراضي السورية، وبعد كل هذا من الأكثر ضرراً وقتلاً ولجوءاً ونزوحاً.

من يشعر بآلامك أيها السوري؟

أنا مصري، وأتألم لجراحك يا صديقي السوري، يا صديقي أعلم أنك سجين الآن تنتظر دورك في الإعدام، أو طفل ستلحق بروح إيلات على شاطئ يستغيث بعد غرقه، أو امرأة تحمل أولادها للفرار بهم، أو عجوز تقطعت أشلاؤه تحت الأنقاض، أو ربما شاب ينتظر القصف من حين لآخر، أيها السوريون حلمتم بحياة كريمة في المستقبل، فجاءكم الموت الذليل في الحاضر.

متى يعود الشعب السوري إلى سوريا؟ لا أحد يعرف كيف سينتهي هذا الصراع والأسد باقٍ في عرينه، ويحاسب كل سوري حاول الاقتراب من عرينه، فالأسد عندما يحكم الدولة يحولها إلى غابة، يأكل القوي فيها الضعيف، ولا مكان بداخلها إلا للحيوانات المفترسة.

ولكن ما هي إلا فترة فانية لن تستمر، فتتغير الأحوال من حين لآخر، وسيأتي اليوم الذي يعود الشعب السوري لبلاده ليحكمها لا ليُحكم عليه، يعود لاسترداد بيته الذي دُمر وحقه الذي سُلب، وأرضه الذي احتُلت، وكرامته وحريته التي قُيدت.

يوماً ما ستعود سوريا موحدة لا منقسمة كالكعكة بين الفصائل والجيوش، يوماً ما ستحلو الحياة على أرضك يا شامية.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.