المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد محمد يحيَ Headshot

الأشجار واغتيال مرزوق.. لماذا اليوم؟

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى الأمسيات، عثرتُ على ورقة صغيرة أقصى مكتبتي يأكُلها الغُبار، وكُنت قد كتبت بداخلها "لا تضعف"، وكان هذا منذُ خمسة شهور على ما أذكر.

هُنا، حيثُ بسمةٌ واحدة كانت كفيلة بأن تمنع أي وعي في عقلي من أن يتدخل، لأعرفَ سبب كتابتي لهذه الكلمة، فَما فتئت مُردداً:"لا تضعف، أتسمع ما أقول لك؟ لا تضعف، وهذه الأشياء الأخيرة، التي قد تُخلّف في نفسك ذكرى أو تخلّفُ عاطفة، اتركها، لقد اجتزت القنطرة كُلّها وحدك، ولا حاجة بك الآن لأن ترى في العيون ذلك الأسف المُستسلم، إنهم لا يفكرون فيك، وحتى لو قالوا لكَ شيئاً فإنهم يعلمون أنفسهم، اترك كُلَّ شيء وراءك، وإذا استطعت، لا تنظر إلى الخلف أبداً".

كان ذاك الاقتباس مُقدمة رواية "الأشجار واغتيال مرزوق" للكاتب الكبير والغني عن التعريف "عبد الرحمن منيف"، الذي أشعل بِصدر كُل قارئ عربيّ، احتجاجاً يتأجج ليلةً بعدَ ليلة، وخيبةً بعد خيبة، ونكسةً بعدَ نكسة.

عبد الرحمن منيف، الكاتبُ العربي وهوَ من القلّة الذين جعلوا من الأدب نبوءة جميلة، ومحاكمةً للماضي، ومحاولة لإنقاذ مُستقبل، يكاد يَهدم كل إيمان بأنّهُ هُنا، في بلداننا، شي قادم نستطيع أن نؤمن به بحق، لنستمر.

وكانَ عليَّ أن أبدأ مقالاً جديداً أتطرق فيه إلى هذه الرواية التي تركت أثراً كبيراً بداخلي، في زمن أصبح فيه الأدب أرجوحةً بيد الحُكّام والأيديولوجيات فلا يصعد عليها إلا كلَّ قلمٍ ملوي عُنقه.

وأكادُ أجزم أنها لمست قلب كل من قرأها أيضاً، وعرفَ لماذا يقرأها، ومتى وكيف.. ولا بُدَّ هُنا، وقبلَ كُلِّ شيء، أن نعترف، ولا سيّما أنَّ "الأشجار واغتيال مرزوق" كانت من أول أعمال "عبد الرحمن منيف"، إلا أنها وإلى يومنا هذا تُعتبر عملاً روائياً مُتكاملاً لا نستطيع تجاوزه بأي شكلٍ من الأشكال، سرداً ومضموناً ونقداً ومن خلال ذاتيتها وفنّيتُها المُتقنة.

وتحملُ الرواية قسمين كبيرين، تمَّ تقديمهما لنا على لسان بطل الرواية "منصور عبد السلام" عالم الآثار والمُترجم، الذي يُسافر عبر القِطار خارج وطنه باحثاً عن عمل.

ويتحدث القسم الأول عن التقاء "منصور عبد السلام" -الذي يجلسُ في الدرجة الثانية من القطار- بِـ"الياس نخلة" تاجر الملابس، الذي لم يترك عملاً قبل هذا إلا وعَمِل وفَشِلَ به، ويعمل مُهرباً حالياً، ومن خلال هذه الرحلة يتعرفُ إليه؛ ليبدأ إلياس بسرد قصة حياته المريرة والمليئة بالإخفاقات أمام منصور، شأنه شأن أي عربي آخر يُصارع هواجس الهوية التي تتخضب باليأس، ليجد نفسهُ ويُثبتها في مكانٍ ما.

وإلياس.. وهوَ الشخصية المحورية داخل الرواية، الذي لا يجد تقبُّلاً ووِفاقاً مع أهل قريته، وبعد أن يخسر الأشجار -التي ورثها من أبيه والتي كانت رأسماله- في القمار، لتتوالى أحداث حياته ويخسرَ زوجته، فينتهي هذا اللقاء، وينزل إلياس من القطار، ورائحة وأطياف أشجاره تُلاحقانه باستمرار.

ولعلّنا نرى هُنا التقاء منصور، الغارق في وحل الذاكرة والمتقوقع في عالمه الخاص، الذي يُريد الهرب من بلاده، إلى مكانٍ آخر يُريد إعادة بناء شخصهُ فيه، بالشخصية الثانية "إلياس نخلة" المُتعلق بأرضه أشدّ تعلّق.

وهذا الالتقاء الجميل واللافت للأذهان، وكأن الكاتب يُريد هُنا، وفي بندٍ واحد، أن يضعَ نُصب أعيننا معاناة أن تتعلق بأشجارك فلا تستطيع أن تُحافظ عليها، ومعاناة أن تهرب من أوطانك باحثاً عن معنى آخر لك، فلا هذا يُفلح، ولا ذاك يُثمر.

وأمّا بعد ذلك، الفصل الثاني، الذي نجدُ صوت الراوي وصوت منصور يُشكلّان إيقاعاً واحداً يمتزجُ على درب الأمنيات، إسفلتاً ذائباً في سواده، وهواجس مُحرمة عند مواطن مثله، لتخلُق لنا سيرورةً أدبية تجعلنا نُدرك بحق، كم أننا غدونا مثل منصور، وكم هوَ مُنتصر في هزيمته.

فَيروي لنا مُعاناته من يُتمه حتى سفره وعلاقاته الفاشلة بالجنس اللطيف، وتدريسه جامعياً لمادة التاريخ، حتى يُسرّح تحت أسباب سياسية.. ليذكُرَ لنا معاناة حصوله على جواز سفر أو كما يجب تَسميتهُ "جواز قهر" كحال عمله، بمدة تستغرق سنتين وسبعة أشهر.

في القسم الثاني، يواجه صعوبةً في تقبّل من حوله خلال فترة تسلمه عمله، وكأنه عالق في منفاه الوجودي الذي كُلما حاول أن يخرج منه، غَرِقَ أكثر وأكثر.. يبدأ منصور في هذه الأثناء بِكتابة مُذكراته وتدوين يومياته، لِينعزل بخيمة صغيرة قرب مقرّ عمله، حاله حال هواجسه التي لا تريد لأحدٍ أن يُكبّلها بقيدٍ مهما كان.

وهُنا، حين يصله خبر اغتيال صديقه مرزوق، الذي يُصوّرهُ لنا الكاتب كنايةً لحلمٍ فقده ولم يصل إليه، فِيرثيه ويبكي عليه.
والحالُ أنّه يُمكننا أن نُلاحظ أنَّ هذه المحطة من الرواية تُعتبر جزءاً يُدمي أفكار قارئه، ليجد نفسهُ هو الآخر ودون إدراكٍ منه ينعى مرزوق مع منصور.

إنَّ خبر اغتيال مرزوق في الرواية لا يخص الكاتب وحده أو الشخصيات، إنّما يخصُنا جميعاً، إنه عزاءٌ لنا في مُعاناتنا مع الأنظمة السياسية، ومُحاولتنا في البحث عن تاريخٍ جديد وحقيقي وصادق، لم يمسسه زيفٌ ومصلحة.

هو حلمٌ بعملٍ شريف، ووطن نستطيع أن نُسمّيه وطناً بحق، ولكن يُمكننا أن نستنتج من منصور شيئاً مُهماً ومأساوياً بعض الشيء ألا وهوَ: أي حلمٍ هذا الذي يستطيع أن يصمد بوجهِ واقع، لم نعد نستطيع نحن أن نواجههُ بعدَ الآن؟.

في الجزءِ الأخير من الرواية، يُحدّثُنا صحفيّ، تقع بيديه هذه اليوميات ويتمكنُ من نشرها بعد أن أعطاهُ إيّاها مُدير الفندق، الذي أطلق فيه منصور النار على انعكاسه في المرآة، حيثُ كان قد أصابه الجنون نهاية المطاف.

واختُتِمتِ الرواية على لسان الصحفي حين قال: "أنشر الأوراق الآن، ولم أفعل شيئاً من شأنهِ أن يُغيّر في معناها، سوى أني رفعتُ بعض الأسماء، وبعض الكلمات البذيئة".

لِيدعنا عبد الرحمن منيف والدهشةُ تتملكنا، بعد الانتهاء من السطر الأخير، نرى ومن هذه الرواية عمل منيف على التحليل والاستقصاء عن شخصية كل مواطن عربي ما زالت ندوب الهزائم تقض مضجعه حتى هذه اللحظة، ليبدأ نقده ومحاسبته من خلال تيارٍ أدبي إبداعي، تجذبنا لوحدها دون الإشارة إليها.

وما يُحسب لعبد الرحمن منيف البصمة المُتألقة والفريدة بعيداً عن المُغالاة والحشو، هو أنه جعل من شخصيته الروائية "منصور" إنساناً عادياً بحجم وجعه وتطلعاته، ليجعلنا من خلال ذلك أن نكتشف نحنُ عوالمنا الخاصة بنا، والسبيل لحريّتنا تحت وطأة القيود والسلاسل.

وإن كان هُنالك شيء نستطيع أن نقوله عن الرواية هو أنها ليست للقراءة فقط وإنما لدراستها وتحليلها واضعين نصب أعيننا هذا البناء الروائي الدرامي الفريد، لتصير أطروحةً تحت عنوان "كيف يكون النقد".

في النهاية، نعلمُ أنَّ منصور قد حقق تلك البطولة التي أشار إليها في الجُملة التالية: "الحياة.. مُجرد الحياة يا صاحبي بطولة".

ولكنَّ لا نعلمُ إلى الآن، إن كُنّا سنظلُّ قابعين في أماكننا تأكلنا أحلامنا ومُعاناتنا في أوطاننا واحداً تلوَ الآخر، أم أننا في يومٍ ما، سنتذرع بالشجاعة والوعي الكافي، لِنقول للحقيقة التي من شأنها أن تقودنا للجنون وقد تنقذ من سيأتِ بعدنا من جُرح الهوية العميق الذي يُدمينا: مرحباً بكِ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.