المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد محمد يحيَ Headshot

قواعد العشق الأربعون.. دعوة للتصوف

تم النشر: تم التحديث:

يستوقفني بعض من القُراء العرب.. وخاصةً من هم بِعمر الـ 15 كتاباً..
عن مدى اللغط الذي ندخل فيه حين لا نفهم رسالة من إحدى الروايات.. أو نختصر موضوعها بشكل كبير ونحاول أن نُحجّم ذلك الموضوع للمستوى الذي نُريده لكي يتماشى مع طريقة تفكيرنا، أو نقتبس منه جملة واحدة ونتبّعها كـ"مذهب" وخاصة الروايات التي تتكلم أو بالأحرى التي يدور موضوعها حول محور ديني وبشكل خاص مذهبي في حقبة معينة وفي فترة معينة، لذلك يجب أن ننتبه كل الانتباه للتأثر اللاإدراكي واللاإرادي بموضوع ما وخاصة المتعلق بالدين قبل البحث والتعمق بالموضوع جيدا قبل اعتناقه فقط لأجل فكرة يطرحها سواء أكان يحتمل الخطأ أم الصواب.

استوقفني من فترة قليلة زيادة الطلب على رواية "قواعد العشق الأربعون" للكاتبة "إليف شافاق" التي قال عنها البعض إنها رائعة والبعض جيدة والبعض ليست بالمستوى المطلوب.. تلك الرواية التي تدور أحداثها حول موضوع التصوف تتألف تقريباً من خمس مائة صفحة، الجميلة واللطيفة بوجهة نظري -وهي والذي قال عنها البعض هي اتحاد بين العقل والقلب.. بين الفكر والحب- قصة اتحاد بين مولانا جلال الدين الرومي والدرويش شمس الحق التبريزي، بين إيلا المرأة التقليدية وعزيز المصور البدوي الروح..
اتحاد بين الأستاذ والتلميذ، الشيخ ومريده، الكاتب والقارئ، فيصبحان روحاً واحدة متدفقة هادرة كالشلال..

وتقول إحدى "قواعد العشق الأربعون": "لا يصبح المرء مؤمنا بين ليلة وضحاها. إذ يخيل للمرء أنه مؤمن، ثم يحدث شيء في حياته فيصبح ملحداً ثم يعود ويؤمن ثانية، ثم يصبح متشككا وهكذا دواليك، حتى يبلغ مرحلة معينة. إننا نتردد باستمرار. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعلنا نمضي إلى الأمام. ومع كل خطوة جديدة، نزداد قرباً من الحقيقة".

وهذا الكلام هو عين العقل ولكنّا نتسائل.. أما يجب علينا كقراء أن نطبق هذا القول بالفكر والعقل لا بالمشاعر الجياشة التي يتأثر بها القارئ.
هنا نحن لسنا بصدد التكلم ومناقشة الرواية.. ولكن ما نتكلم من أجله هو أن بعض القُّراء أو أغلبهم حين ينتهون من قراءة الكتاب -وذلك حسب اطلاع كبير وواسع أجريته وأخذ نسبة السبعين بالمئة وتم ذلك الاطلاع على قراء كثيرين- يصبحون متصوفين بين ليلة وضحاها.. يناظرون بالتصوف.. ويشارعون بأمور التصوف.. حتى أن البعض حين أسألهُ عندما ينتهي من الرواية يقول إنه يمارس التأمل والانتشاء ويتقرب من الله..

ولكن كيف يمكننا أن نسير وفق مذهب الذي هو من أكثر المذاهب طُرقاً وأعمق المذاهب فِكراً وفلسفةً.. واستمداداً لبعض الأفكار من الثقافة اليونانية والفلسفة الأفلاطونية إلخ.. من دون أن نفهمه وأن نقرأ عنه وأن نتعمق به ونستشهد هنا مثلما قالوا أئمة التصوف الكرام: إنه لا يمكن أن نبحث عن الله من دون العلم والمعرفة..
وربما لا يعلم من يقرأ رواية واحدة عن التصوف (المتصوف) أن هنالك قرابة الـ450 تعريفاً للتصوف.

وأن هناك 16 طريقة للتصوف وأن كل طريقة تختلف عن الأُخرى سواء من ناحية التعاليم والأفكار والاقتداء بالشرع والقرآن واختلاف شيوخها وهي: "الكركية، القادرية، الرفاعية، المعينية، الأحمدية، الدسوقية، الأكبرية، الشاذلية، البكتاشية، المولوية، النقشبندية، الملامتية، التيجانية، الختميه، الركينية، النونية الرفاعية".
ناهيك عن التصوف المسيحي والتصوف البوذي إلخ..

وهنا نسأل قارئ الرواية الكريم هل استطاعت الكاتبة أن تحصر كل الطرق الصوفية وتعاريف الصوفية؟
و أيضاً من يقول إن تلك الرواية تؤدي إلى طريق التصوف هل يتجاهل الثلاث سنين التي على المريد الذي سيدخل طريق التصوف أن ينتظرها ويتعبد بها الله لكي يستطيع أن يصبح متصوفاً .. قبل أن يؤذن له بالعهد.. حيث إنه في السنة الأولى يقضيها في خدمة القوم والثانية في خدمة الله والثالثة في مراقبة قلبه ولا يقوم بواجبه نحو القوم حتى يقف منهم موقف العبد من سيده فيؤثرهم جميعاً على نفسه، ولا يكون في خدمة الله حتى يجرد نفسه عن كل رغبة تتصل بالدنيا
وأن شيوخ وأهل التصوف ينظرون بعين الأرتياب لكل من يدخل طريق التصوف دون شيخ يرشده ويعلمه..

وفي الآخر يمكننا القول إن هذه الرواية جميلة من حيث سرد الوقائع والأحداث ولكن هي لا يمكن أن تكون إلا سطراً واحداً من تاريخ التصوف الكبير.. ولا يمكن أن تكون إلا ذرة من نقطة في بحر التصوف أو بحور التصوف..

وعلينا أن نقول إنها لا تشكل إلا قراءة جميلة من بين عدة كتب وليس أكثر من ذلك.. ولا يمكننا من أن نصبح متصوفين عند قراءتها أو أن نستخرج تعريفاً واحداً منها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.