المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مفرح  Headshot

أدوات النفي الحقوقية

تم النشر: تم التحديث:

تعلمنا في فصول اللغة العربية أن النفي في الاصطلاح النحوي: هو أسلوب من الأساليب العربية، يفيد الإنكار والإخبار بعدم وقوع شيء معين في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

لكن يبدو أنه في عملنا الحقوقي أيضاً هناك أدوات للنفي مهمتها الإنكار والتكذيب، وإبعاد المسئولية الجنائية للسلطة التنفيذية، فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

تتكون أدوات النفي الحقوقية تلك من بعض المنظمات الحقوقية التي سبق وأن أطلق عليها المجتمع الحقوقي مسمى (غونغوز) اختصارا لمصطلح "المنظمات غير الحكومية الحكومية" بعد ترجمتها من الإنجليزية، وهي منظمات تكون مهمتها إيصال صوت النظام القائم وتبني لغته وخطته.

وفي أحيان كثيرة تبني "تحريات مباحث أمن الدولة " في تقاريرها وبياناتها التي تصدرها بشأن وقائع مثلت جرائم ضد حقوق الإنسان.
وبالمناسبة "الغونغوز" في مصر بدأت في عهد مبارك وظلت سارية ما بعد الثورة في عهد الدكتور مرسي وكذلك في عهد المجلس العسكري بفترتيه ما بعد خلع مبارك وما بعد الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز 2013.

ويلعب المجلس القومي لحقوق الإنسان في مرحلتنا هذه الدور الأكبر كأداة من أدوات النفي الحقوقية. حيث يؤدي المجلس القومي لحقوق الإنسان دوره في الإنكار والتكذيب بقدر كبير لم يقم به في عهد مبارك، بالرغم من أن معظم أعضاء المجلس المعينين في هذا الوقت كانوا موجودين أيضاً في مجلس مبارك والمجلس المعين من قبل المجلس العسكري بعد الثورة.

لقد أضاف أداء المجلس القومي وأداء لجانه المزيد من الدلائل على عدم استقلاليته أو استقلالية أعضائه كونهم معينين طبقا للقرار الجمهوري رقم 75 لسنة 2013 الصادر من عدلي منصور، والذي على أساسة صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1 لسنة 2013 بتعيين أعضاء المجلس الحاليين، ولم يتوقف التعيين عند هذا الأمر، وإنما أصدر رئيس مجلس الوزراء قراراً آخر باستبدال عضو مكان عضو آخر فأصدر القرار رقم 3 لسنة 2013 باستبدال السيد محسن عوض بالسيد ناجح إبراهيم، الأمر الذي -بما لا يدع مجال للشك- يدلل من جديد على مدى التدخل المباشر من السلطة التنفيذية لتعيين واستبدال أعضاء المجلس على هوى السلطة ولرغبتها السياسية.

فمنذ بداية عمل المجلس القومي لحقوق الإنسان بعد الانقلاب العسكري في مصر في الثالث من يوليو/تموز 2013 وهو واقع تحت يد السلطة التنفيذية، الأمر الذي أثر بشكل كبير على استقلالية المجلس وحياديته في أعماله وتقاريره.

والمتابع للعمل الذي يقوم به المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر.. يجد أنه خلال الفترة الماضية كان مهتما بنفي كل ما له علاقة بالانتهاكات المرتكبة بداخل أماكن الاحتجاز في مصر، حيث أصدر المجلس حتى الآن العديد من التقارير الخاصة بذلك، والتي لاقت انتقادا من المنظمات المحلية والدولية وأيضا من العديد من أعضاء المجلس ذاته والتي كانت آخرها لجنة الأستاذ جورج إسحاق وما حدث فيها من تدخل أمني سافر تمت الموافقة عليه من رئيس المجلس محمد فائق، والتي أعقبت لجنة "المشاوي والرز البسمتي" التي رأسها الأستاذ حافظ أبو سعدة لنفس السجن أيضا في 27 أغسطس/آب 2015، وظهر من خلاله أن المجلس القومي لحقوق الإنسان وبعض أعضائه وعلى رأسهم رئيس المجلس محمد فائق والأمين العام له وعضو المجلس حافظ أبو سعدة، أنهم بتزوير الوقائع ومخالفة اللائحة الداخلية للمجلس في الزيارات وعمل التقارير.

المشهد هذا تكرر في سجون وأماكن احتجاز أخرى زارها المجلس القومي، فمثلًا تبرير الوفد الحقوقي للوضع الصعب الذي تعيشه الناشطة السياسية ماهينور المصري، في سجن دمنهور والتي تمت بتاريخ 23 أغسطس/آب 2015، أثناء زيارته للسجن بأن صاحبة الشكاوى المتكررة لم تكن موجودة بالسجن وقت زيارة المجلس، متوقعًا أنها ربما خرجت لجلسة محاكمة ولم يتحرَّ الوفد حتى من صحة توقعه.

وأيضا بتاريخ 26 أغسطس/آب 2015 زار وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان ليمان 1 في سجن وادي النطرون، حيث تكررت نفس المشاهد في مقابلة الوفد لضباط السجن، وإجراء مقابلات مع عدد محدود من المعتقلين في السجن بحضور مأمور وضباط السجن.
وتجاهل الأماكن التي ترد منها الشكاوى باستمرار كليمان الملحق، وعدم متابعة صحة المرضى المعتقلين أو الذين تعرضوا للتعذيب، حيث إن المجلس لا يقابلهم بالأساس فهو يقوم بزيارة أفضل السيئ في كل سجن بعد تهيئتة للزيارة.
كما أن الوفد الحقوقي الذي تم إيقاف الزيارات خصيصًا له لم يهتم لمعرفة الصعوبات التي تواجهها أسر المعتقلين الذين ظلوا ساعات تحت أشعة الشمس، منتظرين إنهاء الوفد زيارته علَّهم يدخلون لرؤية ذويهم.

ولم يتوقف الأمر فقط على نفي أبسط الحقوق الخاصة بأوضاع مراكز الاحتجاز والتقارير الخاصة بالسجون، فبدلًا من أن يصبح المجلس أداة للضغط على الحكومة المصرية ومساهمته في قيامها بالتوقيع على مزيد من الاتفاقيات الدولية والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وتعديل القوانين المحلية.. يؤكد على عدم وجود تعذيب في السجون وعمل عدد من أعضاء المجلس على النفي الدؤوب لقضية التعذيب بداخل مراكز الاحتجاز أذكر منها الآتي:

التصريح الصادر من نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان السيد عبد الغفار شكر بتاريخ 13 مارس/آذار 2014 من أن الضرب بداخل السجون ليس تعذيباً.
التصريحات الصادرة من السيد محمد فائق بتاريخ 27 أغسطس/آب 2015 من أنه لا يوجد تعذيب بداخل السجون في مصر عقب الإعلان عن تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان عن زيارة سجن طرة شديد الحراسة.
التصريحات الصادرة من السيد حافظ أبو سعدة عضو المجلس بتاريخ 31 أغسطس/آب 2015 من أنه لا يوجد تعذيب بالسجون المصرية.
التصريح الصادر من الأستاذ مختار نوح بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول 2015 من "إنه لا يوجد تعذيب ممنهج في السجون في الوقت الراهن وأن "أحوال السجون تحسنت خلال الفترة الأخيرة وأن السجون المصرية تحصل على 7 من 10 مقابل 2 من 10 للسجون الإسرائيلية لقتلها المواطنين بدون تحقيق".. لافتًا إلى عدم وجود محتجزين في السجون المصرية إلا لأسباب قضائية.

وبالتأكيد لن يتم نسيان تقرير الأستاذ "ناصر أمين" عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان حول مذبحة الإنسان حول فض اعتصام رابعة العدوية بالقوة الصادر بتاريخ 5 مارس/آذار 2014 الذي برأ فيه الجيش والشرطة من قتل المتظاهرين.

لقد وضع القانون الدولي للمجالس الوطنية لحقوق الإنسان والذي يمثله "المجلس القومي لحقوق الانسان" في مصر، معايير ومبادئ أساسية تضطلع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بتنفيذها تسمى "مبادئ باريس" والتي تساعدها بدور حاسم في تعزيز ورصد التنفيذ الفعال للمعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان على الصعيد الوطني، وهو دور يتزايد اعتراف المجتمع الدولي به.

لكن ما يفعله المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر مختلف تماماً عما يطلبه المجتمع الدولي من غرض تأسيسه، لقد تحول من أداة لتعزيز حقوق الإنسان إلى أداة لنفي الجرائم المرتكبة لحقوق الإنسان في مصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.