المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مفرح  Headshot

تجسيد السياسة السيساوية في الجرائم المنهجية

تم النشر: تم التحديث:

سلوك وجرائم الشرطة في مصر بين المنهجية والفردية

هل الجرائم التي يرتكبها منتسبو جهاز الشرطة في مصر هي جرائم ممنهجة وسلوك نمطي أم هي جرائم فردية؟

خلال الأسبوع الماضي زادت حدة الانتقادات الموجهة الى طريقة تعامل منتسبي جهاز الشرطة ضد العديد من المواطنين الذين تم إلقاء القبض عليهم دون وجه حق أو تم اعتقالهم وتعذيبهم داخل مراكز الشرطة المختلفة وأسفرت عن حدوث حالات للوفيات بداخل أماكن الاحتجاز لبعض ممن تم إلقاء القبض عليهم باعتبار أن الجرائم بداخل أقسام الشرطة هي جرائم ممنهجة وذات سلوك اعتيادي.

تم تأكيد هذا الامر عن طريق الطب الشرعي والذي تحدث على لسان أحد مسؤوليه مؤخرا عن أن الانتهاكات بداخل اقسام الشرطة وخلال الفترة الماضية زادت بنسبة كبيرة، وأنهم يومياً يصلهم العديد من قضايا التعذيب بداخل أماكن الاحتجاز المختلفة، الامر الذي معه أيضا قامت وزارة الداخلية وعلى لسان العديد من مسؤوليها بنفي أي نوع من أنواع الانتهاكات التي تتم بداخل مراكز الاحتجاز سواء فيما تخص قضايا الاخفاء القسري او فيما يخص جرائم التعذيب.

إلا أن وزارة الداخلية وفي معرض ردها على ذلك الامر خلال الأسبوع الماضي عمل مساعد وزير الداخلية للعلاقات والاعلام أبوبكر عبدالكريم عن طريق جولاته وصولاته على القنوات التليفزيونية المختلفة وعلى أشهر مواقع التوك شو على إظهار ان حالات التعذيب في مصر حالات فردية وليست نهجا لعمل وزارة الداخلية، ردا على أكثر من 5 وقائع تعذيب منها واقعتا تعذيب حتى الموت للمواطن طلعت شبيب في الأقصر وللطبيب عفيفي حسن في مدينة الإسماعيلية، وللعلم فإن اللواء عبدالكريم سابقاً كان مساعد وزير الداخلية لحقوق الانسان أيضاً.

ولم يقف الامر على ذلك كانت قضية الضمان الفرعي التي رفعتها وزارة الداخلية ضد أحد ضباطها المتهمين بالتعذيب تطالب فيها محكمة القضاء الإداري بالرجوع على المال الخاص له في حالة إدانته، وصدور حكم بالتعويض لصالح المواطن كانت سابقة لم تحدث في تاريخ قضايا التعويض عن العذيب منذ بدايتها.

الامر الذي لا شك فيه أيضا أن عبدالفتاح السيسي بصفته رئيس للجمهورية بعد الانقلاب العسكري الذي قاده أكد في زيارته الأخيرة لكلية الشرطة أن التجاوزات التي تتم من قبل رجال الشرطة هي تجاوزات فردية وأن نسبة التجاوزات "حتبقي في قسم شرطة أو اثنين"، وان زيارته للكلية الحرية تأتي في إطار "شكره لرجال الشرطة"، بحسب ما نشرته جريدة المصري اليوم.

ما هو الفارق إذن بين السلوك النمطي الدائم الممنهج والسلوك الفردي في جرائم حقوق الانسان؟

ردت لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة على هذا السؤال بشكل واضح في معرض دراستها لانتهاكات وجرائم عدد من الدول لحقوق الانسان وقالت إنه "حتى يظهر الانتهاك كنمط دائم يجب أن يشير البلاغ إلى عدد لا بأس به من الانتهاكات ضد العديد من الأفراد".

ويظهر من الأعمال التحضيرية للإجراء 1503 بالأمم المتحدة المعني بالتحقيق في الانتهاكات التي تعد نمط دائم من انتهاكات حقوق الانسان السافرة والمصدقة والمقدمة من قبل الأفراد أو المنظمات غير الحكومية أن "أي نمط من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والمعزز بأدلة موثوق بها" وبوجود العديد من الضحايا، ووقوع عدد معين من المخالفات خلال المدة الزمنية الدنيا، تلك التي تُعدُّ بطبيعتها لا إنسانية أو مهينة على وجه الخصوص.

والناظر الى حقيقة ما تشده جرائم حقوق الانسان داخل أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز المختلفة أننا لسنا امام حالة او حالتين، وإنما نحن أمام نمط دائم من جرائم ضد حقوق الانسان المصري بشكل سافر وغير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث.

في جرائم القتل فقط بداخل مراكز الاحتجاز وباعتراف وزارة الداخلية نفسها وطبقا لتقاريرها الصادرة والمنشور في الاعلام المصري فقد سقط في شهر أغسطس الماضي 40 حالة وفاة بداخل مراكز الاحتجاز المختلفة وعلى مستوى الجمهورية منهم 11 فقط في يوم واحد وهو يوم 12 أغسطس بسبب ارتفاع درجات الحرارة والاختناق في الزنازين بداخل أربع أماكن احتجاز مختلفة على مستوى الجمهورية.

تخيل معي أيها القارئ 12 انساناً ماتوا بسبب الاختناق وارتفاع درجات الحرارة بالبطء، ماتوا ولم تقم إدارة الأربع أماكن الاحتجاز بنجدتهم أو حتى بإخراجهم من الجحيم الذي ماتوا بداخله، ورغم ذلك لم يتم مساءلة أي مسؤول بوزارة الداخلية، ولم يتم فتح أي تحقيق معهم بتهمة الإهمال الجسيم الذي ادى الى الوفاة، ناهيك عن أكثر من 353 حالة وفاة حتى نهاية نوفمبر الماضي داخل مراكز الاحتجاز.

لا نعرف ما هي لغة الحسابات التي تتبعها وزارة الداخلية أو يعلمها عبدالفتاح السيسي التي معها تتحول الأرقام العشرة والمائة والمائتين بل الثلاثمائة الى حالات فردية!

إلا أن ما نعرفه جيدا أن النظام العسكري في مصر في مواجهه جرائم الشرطة خلال الفترة الماضية يستعمل عددا من الأدوات الهامة التي تساهم بشكل كبير في منهجية الإفلات من العقاب ليجسد لسياسة عبدالفتاح السيسي التي قال فيها إنه لن يتم محاسبة ضابط شرطة قام بقتل أو إصابة متظاهر نستطيع أن نلاحظ تجسد هذه السياسة في الآتي:

1- انهاء جميع القضايا المتعلقة بجرائم الشرطة الشهيرة في فترة ما قبل الثورة أو بعد الثورة تماما والتي كان أهمها جريمة تعذيب خالد سعيد حتى الموت، وجريمة تعذيب سيد بلال حتى الموت وكل جرائم قتل المتظاهرين إبان ثورة 25 يناير والتي تكللت بالإفراج عن كل رموز نظام مبارك، بل الافراج عن مبارك ووزير داخليته ومساعديه دون محاسبة حقيقية.

2- التقليل من حجم الانتهاكات المرتكبة من قبل قوات الشرطة عن طريق تصغيرها وعدم الاكتراث بها وإظهارها على أنها حالات فردية امام الرأي العام والرهان في هذه الحالة يكون على ذاكرة السمكة التي يتمتع بها الشعب المصري.

3- تعمل وزارة الداخلية على حصر وإظهار ان القضايا التي من المفترض أن يتم التحقيق فيها في قضايا القتل المباشر والتي يتسبب فيها ضابط شرطة أو ضابطين في قتل أحد المواطنين تعذيبا، او إطلاق النار عليه أما حالات الإهمال الجسيمة لأماكن الاحتجاز أو الإهمال الطبي المتعمدة، والتي تتسبب في مقتل العشرات شهريا ليست في جرائم وزارة الداخلية ويجب إظهارها على أنها قضاء وقدر.

4- انهاء القضية منذ البداية باستخدام أسلوب الترهيب أو الترغيب، عن طريق تهديد أهالي الضحايا بأنهم سيدخلون في دائرة التتبع والاعتقال، او ترغيبهم بإعطائهم بعض المميزات من وظائف أو حج أو عمرة والتي لاحظناها في العديد من القضايا.

5- التلاعب في تقارير الطب الشرعي وهي الأداة الأكثر فعالية في عدم مساءلة مسؤولي وزارة الداخلية ومساعدتهم في الإفلات من العقاب، عن طريق اظهار أن حالات الوفاة على سبيل المثال داخل أماكن الاحتجاز كانت بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية الذي يعتبر المتسبب الأول في حالات الوفاة بداخل مراكز الاحتجاز رسميا لدى تقارير الطب الشرعي وليس التعذيب او سوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز.

6- استعمال ثلاجة النائب العام لملفات قضايا التعذيب والقتل والتي يتم تخزين الملفات بها لسنوات دون أن يتم التحقيق فيها.

7- في حالة وصول قضية أو قضيتين الى المحاكمة فإن مواد قانون العقوبات كفيلة بمساعدة القضاة في إنزال عقوبات خفيفة سواء جنائية أو إدارية لفترات زمينة قصيرة يعود معها ضابط الشرطة الى الخدمة مرحبا به.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.