المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مفرح  Headshot

القضية 507 "فخر" الصناعة العسكرية المصرية

تم النشر: تم التحديث:

بتاريخ 11 أغسطس/آب 2015 الماضي سطرت العسكرية المصرية رقما جديدا من أرقامها التاريخية الملحمية التي لن يتم نسيانها خلال العقود القليلة القادمة، حيث كان اليوم الذي حكمت فيه المحكمة العسكرية المصرية للجنايات في القاعدة العسكرية بالإسكندرية منطقة العامرية (سعة 1000) برئاسة "العميد" السيد محمد إسماعيل وعضوية كل من "العقيد" أحمد فتوح عنتر و"المقدم" محمد علي شاهين، في قضية محافظة البحيرة وحوش عيسى والمتهم فيها 507 من المدنيين المحالين إلى القضاء العسكري طبقا لقانون المنشآت العامة الذي أصدره عبد الفتاح السيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2014 لتتصدر هذه القضية والأحكام الصادرة فيها التاريخ القذر لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في تاريخ القضاء المصري الحديث حتي الآن.

وتعود أحداث القضيتين إلى تاريخ 14/8/2013 يوم فض ميدان رابعة، حيث خرجت مظاهرات حاشدة رفضا لعملية الفض الوحشية‬ بمدينة دمنهور، والتي قُتل خلالها 5 من أبناء المدينة برصاص الداخلية واشتعلت النيران في مبنى المحافظة من الداخل حسب شهود عيان، ولم يتم احتراقه بالكامل. وتم اعتقال العشرات في ذلك اليوم وتلفيق تهم لهم أبرزها "القتل، حريق مبني المحافظة، التجمهر وتكدير السلم العام، محاولة قلب نظام الحكم.. إلخ".

وفي نفس الوقت كانت هناك مظاهرات حاشدة في مدينة حوش عيسى.. وقُتل أمام قسم الشرطة 3 من أبناء المدينة، مما أثار غضب الأهالي الذين قاموا بمحاصرة قسم الشرطة من الخارج وفوجئوا بإضرام النيران في القسم من الداخل وهروب الضباط وأمناء الشرطة المتواجدين.

على إثر ذلك تم تلفيق محضر يضم 300 من جميع أنحاء محافظة البحيرة، وأصبح هؤلاء متهمين في قضية حريق مبنى "المحافظة" ومحضر آخر يضم 207 وأصبح هؤلاء متهمين في قضية حريق قسم شرطة "حوش عيسي".

لقد قام القضاء العسكري المصري بصناعة هذه القضية من العدم، بعدما مكث المتهمون فيها أكثر من عام ونصف العام محبوسين احتياطيا على ذمتها في انتظار قرار النائب العام، والذي لم يستطع أن يقوم بتحويلها إلى القضاء المدني في تلك الفترة لعدم توافر أي أدلة أو وجود أي منطلقات قانونية تقدم إلى محكمة الجنايات، حتى ولو كان القضاة منبطحين وتابعين للسلطة العسكرية في مصر على شاكلة ناجي شحاتة وشعبان الشامي وأمثالهما.. إذ بكل المقاييس والدلائل، لا وجود لقضية ولا وجود لمساءلة المتهمين المحبوسين والمقبوض عليهم فيها، فجاء قانون المنشآت العامة والذي على إثرة أحيلت قضايا المدنيين إلى القضاء العسكري طوق نجاة للمحامي العام الأول بالإسكندرية، والذي لم يتوانَ في تنفيذ قرار النائب العام وقتها بإحالة كل القضايا العالقة لدى كل وكلاء النيابة على مستوى الجمهورية إلي القضاء العسكري والصادر طبقا للكتاب الدوري للنائب العام في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2014 .

نظرت النيابة العسكرية في القضية بداية من منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2014 وفى غضون أسبوعين كان "العقيد" شريف عبد الله رئيس نيابة الإسكندرية العسكرية قد صنع المعجزة التي لم يستطع المحامي العام للإسكندرية ولمدة عام ونصف كاملين أن يصل إليها ليحيل المتهمين إلى محكمة الجنايات العسكرية طبقا للنموذج رقم 17 جنايات عسكرية بمواد اتهام جاهزة كفيلة بأن توصل رقبة مدنيين متهمين زورا وبهتانا في وقائع لم يرتكبوها ولم يشاركوا فيها إلى حبل المشنقة ولتبدأ وقائع الجلسات في الخامس من يناير/كانون الثاني 2015.

استعمل السادة اللواءات كل ما لديهم من إمكانيات وقدرات تدربوا عليها منذ تاريخ التحاقهم بالقوات المسلحة المصرية في إدانة المتهمين والعصف بكل حقوقهم الدستورية والقانونية، سواء أثناء إلقاء القبض عليهم أو أثناء التحقيقات معهم من جانب النيابة العامة أو من جانب النيابة العسكرية "والشغل على المية البيضا" الذي يبدو أنه من الأنشطة الأساسية التي يتمرن عليه أعضاء القوات المسلحة المصرية الذين يعملون في السلك القضائي.

ووجد رئيس المحكمة القضية والحكم فيها فرصة لإعلان الولاء والبراء لما أسماه "ثورة 30 يونيو/حزيران" حيث سطر في ديباجة حكمه القمعي ما وصفة بفرض الشعب لكلمة وبتوافق القوى الوطنية على البيان الإعلامي الذي وصفة بالتاريخي في 3 يوليو/تموز 2013، والذي على إثره تم عزل "رئيس فشل في إدارة البلاد" و"تعطيل العمل بالدستور" بالرغم من أنه لم يوجد دستور وقتها ومن قام بتعليق العمل بالدستور هو وزير الدفاع عبد لفتاح السيسي.

لم يقف الأمر عند حد تسطير الحكم بديباجة غير قانونية يسائل فيها رئيس وأعضاء المحكمة قانونيا ودستوريا فحسب، بل شرع في استعمال كلمات تنزع عن المحكمة الصفة القضائية وتحيلها إلى فرع من أفرع مباحث أمن الدولة لتضع المحكمة كل المعلومات الواردة في محاضر تحريات مباحث الأمن الوطني ضد المتهمين وتستخدمها كدليل إدانة وحيد، وتعلل ذلك بأن ضميرها ويقينها ووجدانها استقر أن تلك التحريات التي قام بها ضابط مباحث الأمن الوطني "النقيب" أحمد رفعت صحيحة في حين أن أقوال المتهمين وشهادة الشهود الذين تعدوا الثلاثمائة لم تستقر في وجدانها ولم يتحرك ضمير المحكمة لها.

لم يقف مشهد القضية 507 عند هذا الحد.. وإنما وصل إلى ما هو أبعد من ذلك، فلم تنظر المحكمة العسكرية في قضايا تعذيب 48 من المتهمين على ذمة هذه القضية ولم تلتفت إلى التقارير الطبية الموثقة لاعتداءات الأمن الوطني عليهم و تعذيهم، ولم يسأل القضاء العسكري عن التقصير الذي جانب عمل النيابة العسكرية أو حتى عمل المحامي العام للإسكندرية في تلك القضية.

بل الأكثر من ذلك أن المحكمة ذاتها نظرت في اتهام عدد من المتوفيين في أحداث محافظة البحيرة وقسم شرطة حوش عيسى بالرغم من وفاتهم، واكتفت بإثبات أنهم "متوفون" ولم تتصدَّ لواقعة قتلهم بالرغم من أنهم مقتولون برصاص قوات الشرطة أثناء الأحداث.

بل لقد عصفت المحكمة بكل المعايير القضائية بالتطرق في نظر الاتهامات المنسوبة لأكثر من 130 من المتهمين وإلحاقهم بقرار الإحالة بتهم قامت النيابة العامة بتبرئتهم منها، بالمخالفة الصريحة لنص المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية وعللت المحكمة العسكرية في ردها على ذلك بأنها لم تجد في أوراق القضية ما يثبت ذلك، في حين أن دفاع المتهمين أثبت لهم ذلك الأمر الذي يعطي دلائل قوية على واقعة تزوير لم تلتفت إليها المحكمة وكأنها لم تحدث مما بات معه إهدارا لحق المتهمين، فكانت النتيجة الطبيعية إصدار أحكام قاسية وصلت إلى ما بين المؤبد وثلاث سنوات حبسا مشددا على المتهمين في تلك القضية.

لقد مثلت القضية 507 وما تم فيها من انتهاكات حقوقية وقانونية ودستورية بحق القانون وبحق حقوق الإنسان مثالا لـ256 قضية نظرتها المحاكم العسكرية في مصر بحق المدنيين منذ إقرار قانون المنشآت العامة والتي على إثرها تم محاكمة أكثر من 4947 مواطنا مدنيا مصريا بحسب ما تم الوصول إليه من معلومات حتى الآن.

إن القضاء العسكري للمدنيين هو وصمة عار في تاريخ أي نظام سياسي بحق المدنيين.. هو السمة الأساسية لعصور القمع والديكتاتورية التي تلجأ إليها الآن الأنظمة العسكرية المستبدة لأنها تعلم جيدا أن قضاء التعليمات والأوامر العسكرية التي يجب أن يتم تنفيذها، حيث إن جميع القضاة وأفراد النيابة عسكريون يحملون مختلف الرتب ويخضعون لكافة لوائح الضبط والربط المبينة في قوانين الخدمة العسكرية، ويقوم وزير الدفاع بناء على توصيات رئيس هيئة القضاء العسكري بتعيين القضاة، وهم غير قادرين على محاكمة الأعلى منهم رتبة، ولا تعتبر أحكامهم نافذة قبل التصديق عليها من ضابط ليس عضوا في المحكمة، من صلاحياته إلغاء الحكم أو إيقاف تنفيذه أو تخفيفه أو حتى إعادة المحاكمة، وكل ذلك مما ينتزع منهم أي استقلال أو قدرة على الحياد حتى وإن أرادوا إظهار غير ذلك على جثث الضحايا أو حقوق المواطنين.

وأخيرا ما يجب أن يعرفه الجميع أن الأحكام الصادرة خلال الفترة الماضية بحق المدنيين في محاكمات عسكرية لن تأخذ شرعية قانونية ولن يتم الاعتراف بها دوليا وشرعيتها مستمدة فقط من سلطة قمعية أعطتها هذا الحق وسينتهي أثرها بانتهاء هذا النظام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.