المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مدحت  Headshot

جريمة أحمد مراد

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى المرات، جربتُ أن أعلن، في حضرة أحد "المثقفين" المصريين المعروفين، عن عدم محبتي لمعظم كتابات الراحل "جمال الغيطاني"؛ لأن جمال لغته لا ينفي عدم قدرته على إثارة شغفي بما يحكيه؛ لصعوبة متابعة الحكي دون اللجوء للمعجم؛ لتفسير معاني بعض الألفاظ المهجورة التي يحب استخدامها في كتاباته.. بالطبع تحملتُ عناء سماع محاضرة تقارب الربع ساعة عن عظمة أدب "الغيطاني" وإعجاز لغته، وعندما حاولتُ أن أوضح وجهة نظري بأن كتابته لا تحقق أهم ما في الكتابة الأدبية من وجهة نظري وهو "إمتاع القارئ"، ردّ عليً محدثي بأن "الغيطاني": "مكنش بيكتب للقراء العاديين اللي زيك"

الحقيقة أنني أُعجبت بصراحة مُحدِّثي في الرد، بالرغم من قسوته وما يمكن أن يُفهَم فيه من إهانة لتصنيفي ضمن "القُرّاء العاديين"، لكن لأنني لا أرى في التوصيف مهانة، أصف ما قاله بالصراحة.. بالفعل هكذا ينظر الكثير ممن ينتمون لفئة "المثقفين" في مصر لدور الكتابة، وصياغة مفهوم "الثقافة" بشكل عام، وكيف يُصنّفون الكُتّاب لمنتمين لجماعة "المثقفين"، وغير مستحقين لهذا اللقب.

(2)

الكثير من جماعة الثقافة في مصر يعتبرون أن الكاتب الذي يكتب روايات أو قصص مفهومة زيادة عن اللزوم، يستطيع أي شخص ان يتابع السرد خلالها، دون عناء في الفهم؛ فهو يكتب أدبًا سهلًا رخيصًا، يبتز بالضرورة مشاعر القُرّاء السطحيين، ويغازل قوائم الأكثر مبيعًا، دون النظر لمضمون ما يكتب أو رسالته، هكذا في المُطلق! ظلّ معظم المثقفين المصريين- في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي- يقرأون ما يكتبون، دون أي اهتمام شعبي حقيقي بكتاباتهم.. كانت هناك كتابات جيدة بالفعل في تلك الفترة، لكن عدم اهتمام كُتّابها بأن تنال إعجاب "القارئ العادي" جعلها بعيدة تمامًا عن وجدان معظم الناس.

استمر هذا إلى أن جاءت كتابات "أحمد خالد توفيق" و"نبيل فاروق"، خلال سلاسل كتيبات الجيب، التي خلقت لهما جمهورًا عريضًا من القُرّاء الشباب.. كثير من الكُتّاب والصحفيين الشباب الذين يشغلون الساحة الآن من جمهور قُرّاء كتيبات الجيب هذه؛ حيث كانت هذه الكتيبات بوابتهم المسحورة لعالم القراءة الرحب؛ فقرأوا محفوظ وتشيخوف ويوسف إدريس وخيري شلبي وإبراهيم عبد المجيد، بعد أن بدأوا رحلة القراءة ممسكين بكتيبات سلسلة "رجل المستحيل" أو "ما وراء الطبيعة".

نال الثنائي "أحمد خالد توفيق" و"نبيل فاروق" قدرًا لا بأس به من النقد والذم من جماعة المثقفين، واتهمومهم بالسطحية لاجتذاب القُرّاء.. وكأن الكتابة الممتعة الشيّقة جريمة!

(3)

لا أعتقد أن كاتبًا عربيًا تلقى ما يتلقاه "أحمد مراد" يوميًا من نقد، يصل أحيانًا إلى الحد السُباب والتجريح الشخصي.. ربما لأن نجاحه جاء مُدويًا متصاعدًا بشكل يلفت الأنظار، على مستوى الرواية ومستوى السيناريو السينمائي أيضًا؛ فاسمه يتصدر غالبًا قوائم الأكثر مبيعًا، ومحاضراته وحفلات توقيعه تمتلئ عن آخرها بالحضور والمريدين، وثالث أفلامه "تراب الماس"، الذي كتب السيناريو الخاص به بعد أن نجحت روايته التي تحمل نفس الاسم نجاحًا مدويًا منذ عدة سنوات، يتم تصويره الآن.

صدرت رواية مراد الجديدة "موسم صيد الغزلان" منذ عدة أشهر، مصحوبة بموجة جديدة من النقد اللاذع لظاهرة نجاح الكاتب الشاب، قبل أن تُقرأ حتى.. وهنا السؤال: هل أحمد مراد أفضل روائي مصري على الساحى بشكل مطلق، من حيث المستوى الفني؟ لا أعتقد أبدًا، لكنه الأكثر نجاحًا على المستوى التجاري بالتأكيد.

لا يكتب مراد ما لم يأت به الأوائل من حيث اللغة والأسلوب الأدبي، لكنه وجد خلطته التي تجعل من كتاباته أدبًا ممتعًا، يجعلك تقلب الصفحة تلو الصفحة، دون إحساس بالملل أو ثقل ما تقرأ على روحك.. بالتأكيد لم يتفوق مراد على "نجيب محفوظ" مثلًا، ولن يتفوق؛ لأن المقارنة لا تجوز من الأساس.. في أميركا مثلًا لا يقارنون بين "همنجواي" و"دان براون"؛ لأن كتابات "البوب آرت" التي تهدف لشد انتباه القارئ وإثارة خياله وإحساسه بالتشويق لا تُقارن بالأدب الإنساني، الذي يخاطب الروح ويهذبها.. لكن تظل كتابات مراد بالنسبة لي شيئًا ممتعًا، وتجربة أنتظرها.

فأين المشكلة التي تستدعي كل هذا الهجوم؟

(4)

أسوأ ما يجيده الإنسان، إجادته لإخفاء الدوافع الحقيقية لأفعاله خلف دوافع أكثر نُبلًا في العلن.. من الصعب على البعض أن يعترف أنه يهاجم مراد ويسبه لأنه ناجح، قبل أي سبب آخر... لماذا نهاجم كاتبًا استطاع الوصول لوجدان الشباب ونيل اهتمامهم، ولا نلوم مَن مارسوا الكتابة لسنين طويلة، ولم يستطيعوا تحقيق هذا رغم محاولاتهم؟

الهجوم على قُرّاء أحمد مراد، وغيره ممن يسيرون على نهجه من الروائيين الشباب، واتهامهم بالسطحية والتفاهة، لا يعني إلا رفضًا طفوليًا لواقع لا يمكن تجاهله، دون الاهتمام بتحليله بجدية.. ثم إن معظم من يبدأون بقراءة الأدب "الخفيف، على حد تعبير البعض، يتجهون- بالتدريج- فيما بعد للقراءة في كل شيء.. فأين المشكلة الخطيرة؟

وهل المتهم هنا هو أحمد مُراد، أم الكُتّاب المثقفون الذين يكتب معظمهم أدبًا لا يفهمه أو يستسيغه إلا فئة محدودة للغاية من الناس؟ وهل الذي يستحق اللوم هو مَن استطاع الوصول لشريحة كبيرة من الشباب بكتاباته، أم مَن يتعاملون مع الكتابة على أنها فعل لا يستحق أن يفهمه إلا الخاصة؟

- تم نشر هذه التدوينة في موقع العدسة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.