المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مدحت  Headshot

عن خطورة أن يحكمك ديكتاتور "بتاع ربنا" !

تم النشر: تم التحديث:

منذ شهرين تقريبًا، كُتب لي أن أعيش واحدة من أسوأ وأكثر ليالي حياتي غرابة.. كان ذلك أثناء سفري من القاهرة إلى الإسكندرية، داخل أحد الميكروباصات، في ساعة متأخرة من الليل؛ كما حكمتْ عليّ ظروفي ليلتها، لكن لو كنتُ أعلم وقتها ما ينتظرني، ما سافرت في هذه الساعة المتأخرة أبدًا، ولو منحوني الذهب.

والسبب أن حظي أوقعني في صحبة سائق يقود عربته بطريقة جنونية تمامًا، جعلتني أطالع ملامح الموت بشكل لم أكن أتخيله ممكنًا إلى هذه الدرجة.. الأمر ليس مقتصرًا على السرعة المُفرطة، بل هناك تفاصيل بسيطة؛ مثل قيادته للعربة بسرعة فائقة، وهو يتحدث لنا، نحن الركاب الجالسون في الخلف، أو وهو يداعب الراكب المرعوب الجالس بجواره.. بدا الرجل واثقًا من نفسه لدرجة مرعبة، وهو يرد على صراخ الرُكاب، في كل مرة ننجو فيها من الموت، أن "ربنا معانا إن شاء الله.. خليكوا مؤمنين بالله وهو ساترها معانا".. كنتُ أتلو الشهادتين سرًا، والخوف يعتصرني وأنا أتابع - في المرآة - لمعة الجنون الواثق إياها تتبلور في العينين؛ لتخبرني أننا - للأسف الشديد - واقعون تحت رحمة سائق مختل، لا يعرف أدنى قواعد القيادة، لكنه واثق تمام الثقة - أيضًا - أنه مؤيَّد بستر الله، وعونه، حتى وهو يندفع بنا جميعًا نحو الموت بخطى ثابتة، فهو شديد الاقتناع أن إيماننا بالله يكفي لينجينا!


نجونا جميعًا يومها؛ لأن قضاء الله لم يحن ميعاده، وإن كانت ذاكرتي لا تزال تحتفظ بذكرى مخيفة لملامحه الواثقة، عند وصولنا لموقف انتظار السيارات في الإسكندرية، وهو يردد على أسماعنا في لهجة انتصار: مش قلتلكم ربنا معانا وساترها!


بخوف وتوجّس شديد، يُذكرني بليلة السفر المرعبة إياها، أتابع خطابات السيسي المتوالية، خاصةً تلك التي يرتجل فيها الكلام بتلقائية، ويخرج خلالها عن النص المكتوب؛ فيزداد إيماني بأن ما نواجهه الآن مختلف تمامًا، وأكثر تعقيدًا، مما كان عليه الأمر أيام الرئيس المخلوع "مبارك"؛ فيجب على من يضعون هذا وذاك في سلة واحدة، أن يعيدوا التفكير فيما يعتقدون.


خلال كل أحاديثه ذات الطابع الغريب، التي أثارت الكثير من الجدل والسخرية، يمكنك أن تلمس هذه الجوانب المخيفة البارزة، بداية من التسجيل الصوتي المُسرّب؛ الذي يتحدث خلاله عن "الرؤيا" التي جاءته منذ ما يزيد عن 35 عامًا؛ حيث رأى نفسه يلبس في معصمه "ساعة أوميجا"، ويحمل "سيفًا"؛ مكتوب عليه باللون الأحمر "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، مرورًا بكل خطاباته التي حملتْ عبارات تربوية، عن الأخلاق، وضرورة أن نتمسك بمكارم أخلاقنا، وجملته الشهيرة: "ميصحش كده"، وتكراره كل عدة شهور عبارات عن دعم الله له ولمصر، نهاية بحديثه عن فلاسفة العالم الذين يستمعون لما يقوله ويحللون أحاديثه؛ لأن الله خلقه "طبيب يوصف الحالة".. يمكنك أن تراقب تعبيرات وجهه وهو يصيح مستنكرًا: "أنتوا مين؟!"، أو وهو يهدد ويتوعد خصومه: "أنتوا فاكرني هسيبها ولا إيه! ها! لا والله! دول 90 مليون ربنا هيسألني عنهم يوم القيامة"، لتدرك أن لمعة العينين هذه تصدر، للأسف الشديد، عن رجل يصدق تمامًا ما يقول، يرى في نفسه طبيب الفلاسفة، الأحق برئاسة مصر؛ لأنه صاحب الرؤيا، والوعد المنذور، والسيف، بل يرى في نفسه الخلاص الوحيد لهذا البلد.


حتى حديث السيسي خلال كلمته في احتفالية ذكرى "المولد النبوي الشريف"، عن تأييد الله له، بل زاد وقرن نفسه بالله مباشرة، دون مواربة، وهذا عندما قال: "لو هيقدروا على ربنا؛ يبقى هيقدروا علينا"، ليس فيه جديد؛ بل هو بلورة وتأكيد للمتابعين أنه يعتبر نفسه ظل الله في الأرض؛ وكل قراراته مؤيدة من السماء، بعد أن تم اختياره لأداء مهمته المقدسة في إنقاذ "مصر"؛ من خلال "الرؤيا" الإلهية.


على الجانب الآخر، كان "مبارك" أبعد ما يكون عن هذا كله؛ حيث أن شخصيته وطموحه دكيكتاتور لم يتجاوز طموح "الموظف والعسكري السابق" الذي كان أقسى آماله أن يصبح سفيرًا لمصر في لندن، كما قال هو نفسه في أكثر من مناسبة.. كان مبارك حاكمًا فاسدًا، يرغب في توريث الحكم لابنه، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من وجوده على مقعد "الرئيس"، دون السعي لتقديم نفسه للمصريين، أو للعالم، بأي شكل آخر يتجاوز طموحه وأهدافه.. خلال قرابة 30 عامًا، لا يمكنك أن تتذكر بسهولة "ارتجالات" بارزة لمبارك في خطاباته، حتى أثناء الثورة، بينما كرسيه يتأرجح، والشارع يغلي، ظل هو متمسكًا بالحديث من النص المكتوب، دون اللجوء للارتجال.


لم ير مبارك في نفسه أكبر من كونه موظف، دفعت به الأقدار لأكبر منصب في البلد؛ فسعى للاستفادة من هذه الصدفة بأكبر قدر ممكن.. أمّا السيسي؛ فالوضع مختلف بالنسبة لمَن يؤمن تمامًا أنه مُوكّل من الله لإعادة إعمار "أشباه الدولة"، كما وصف "مصر" في أحد خطاباته الارتجالية... فارقٌ كبير بين أن تكون معارضًا لمبارك، وأن تكون معارضًا للسيسي، فارق يمكن أن تدرك هول اتساعه؛ من خلال طريقة تعامل النظامين- مثلًا- مع منظمات حقوق الإنسان والعمل المدني؛ وكيف كان "مبارك" يرى فيها "تنفيسًا" لابد منه؛ لامتصاص الغضب المتراكم في الداخل، ولإقناع الخارج بأن مصر بلد على طريق الديمقراطية، بينما النظام الحالي يعمل على سحقها وتصفيتها بلا هوادة؛ فظل الله في الأرض لا يقبل أن يراقبه أحد، أو يحصي تجاوزات نظامه.

وهل يخطئ من نصّبه الله رئيسًا/ خليفة له في الأرض؟
أخيرًا..

- هل الوضع صعب؟
- نعم، لكن الأكثر صعوبة وخطورة أن بعضنا لا يزال غير مدرك لحقيقة ما نواجهه!

- تم نشر هذه التدوينة في موقع مصر العربية

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.