المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مدحت  Headshot

هل يستحق مسيحيو مصر الشماتة؟

تم النشر: تم التحديث:

أكثر ما في الثورات مرارةً أنها تجعل المجتمع يرى حقيقة اهترائه وفساده، التي كان يحاول طمسها، ويرفض الاعتراف بها لنفسه.

عقب سقوط مبارك، في 11 فبراير/شباط 2011، كان الجميع يعلم أن أول استحقاق انتخابي غير مُزوّر سيُعد في مصر ستكون الغلبة فيه للإسلاميين، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت حينها الكيان السياسي الوحيد المتغلغل بالفعل في نسيج المجتمع المصري، والقادر على كسب ثقة وأصوات أغلبية الناخبين.. لكن، ظل أحد أهم الأسئلة مُعلقاً بلا إجابة: كيف سيتعامل الإسلاميون، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، مع مسيحيي مصر، ومع قضية المواطنة بشكل عام؟

في ذلك الوقت، كانت الأغلبية من مسيحيي مصر في حالة تربّص لما هو قادم؛ حيث تربّص الخوف من المجهول القادم بالقلوب والعقول.. ولم تأتِ الأيام اللاحقة بما يطمئنهم، بل جاءت بما ضاعف خوفهم، وراكم من إحساس "شعب الكنيسة" بالعزلة في بلده.

خلال الشهرين التاليين لخلع مبارك، حشد الإسلاميون بكل قوتهم للتصويت بـ"نعم" خلال الاستفتاء على تعديل الدستور، بعد أن جعلوا التصويت بـ"نعم" انتصاراً للإسلام، والشريعة، والخطوة الأولى لإقامة دولة الخلافة المنشودة.. وبالفعل صوّتت الأغلبية بـ"نعم"، وكان هذا إيذاناً بإعلان إطلاق العنان لخطاب الطائفية المقيت، من قِبل بعض شيوخ السلفية، تجاه المسيحيين في مصر.

بدأ الحديث العلني من قِبل وجوه سلفية ذات شعبية، في التلفزيون، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن دولة الخلافة قادمة لا محالة؛ حيث السيادة للمسلمين وحدهم، وأن للمسيحيين حق الحياة في أمان، في مقابل الطاعة، والالتزام بقوانين "الشريعة الإسلامية"، بعد أن يتم إقرار الدستور الجديد، الذي سيبدأ على أساسه تغيير مواد القوانين المصري لتتطابق مع الأحكام الشرعية، ووصل الأمر أن البعض بدأ عبر فيسبوك يُبشّر مسيحيي مصر بأنهم "سيدفعون الجزية" قريباً.. وكأن العفن الذي جاهد الكثيرون ليبقى مخفياً تحت مساحيق التجميل، آن له أن يظهر للعيان، فالواقع كان يقول إن الجميع يعلم أن المجتمع المصري، ومنذ سبعينات القرن العشرين، يتغذى على خطاب إسلامي متطرف، يزرع بذور الطائفية في النفوس، خصوصاً في القرى والنجوع والمناطق التي يسودها الفقر، واعتاد الجميع على أن تطفو إلى السطح -كل فترة من الزمن- حوادث عنف طائفية، بين المسلمين والمسيحيين، يتم التعامل معها من قِبل الدولة بسياسة" العصا والجزرة"؛ حيث ترهيب المسيحيين من المصير الذي ينتظرهم لو سقط النظام الأمني القمعي، وترغيبهم بالبقاء في كنف دولة "مبارك"، التي ستضمن لهم الحماية ممن يرونهم "كُفاراً" يحق عليهم دفع الجزية؛ ليتمتعوا بالأمان وحق العيش في بلدهم.

ازداد خوف المسيحيين المصريين، وبدأ بعضهم يترحم على أيام مبارك، ويزداد تشبثه بالعداء لثورة يناير/كانون الثاني التي أخرجت للسطح كل هذا العفن الطائفي، بينما بدأ البعض الآخر يُعدون العُدة بالفعل للهجرة من مصر، خصوصاً أبناء الطبقة المتوسطة العليا منهم، تنفيذاً لنصيحة الشيخ السلفي محمد حسين يعقوب، التي أطلقها ساخراً بعد تصويت الأغلبية بـ"نعم" في استفتاء مارس/آذار:
"اللي مش عاجبه، يروح كندا"!

تتجمع القطرات في نهر الزمن، تتوالى الأيام والشهور، وتترسخ سُلطة الإسلاميين، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، بعد فوزهم بالأغلبية في أول انتخابات برلمانية، وتزداد وتيرة الخطاب الطائفي عُلواً وتردداً، ويزداد التصاق أغلبية مسيحيي مصر بكل ما هو ضد الإسلاميين.

في مقابل كل هذا الطوفان، كان خطاب الإخوان المسلمين الرسمي، تجاه قضية الطائفية والتمييز ضد المسيحيين، وقضية المواطنة بشكل أوسع، باهتاً بلا طعم، مجرد أحاديث مكررة، وعبارات منقولة من كتب مادة التربية الوطنية عن الإخاء والمساواة، وكيف أن الإسلام دين مواطنة، وكيف أن الشريعة تحفظ حقوق غير المسلم بقدر ما تحفظ حقوق المسلم، مجرد خطاب مُكرر منزوع الدسم، لا يطمئن القلوب المتوجسة، في مقابل تصاعد نبرة الطائفية من معظم قطاعات السلفية، خصوصاً مع تزايد الضغط على الإسلاميين والهجوم عليهم من قبل خصومهم، حيث أصبح الخطاب الطائفي بمثابة طوق نجاة لمَن يرغبون في كسب المزيد من المؤيدين المتعطشين "للتمكين"، وسيادة المسلم على غير المسلم.

فشل الإخوان المسلمون في إقناع أغلبية المسيحيين أنهم حقاً يرغبون في بناء دولة المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين.. خيبوا الآمال عندما تجاهلوا المطالبات بإقرار قانون دور العبادة المُوحّد، الذي طالب به مسيحيو مصر منذ عشرات السنين، لإقرار حقهم في بناء كنائسهم، دون الحاجة لإجراءات ترجع إلى العصر العثماني! لم يخرج الخطاب الديني لدعاة الإخوان عن دفتر عبارات "التربية الوطنية" الباهتة منزوعة الطعم، في مناخ امتلأ بخطاب أصولي طائفي شرس.. وفي معركة الدستور، انحدر الإخوان بصحبة السلفيين لمعركة عبثية، عن ضرورة إضافة مادة للدستور، تفسر المادة الثانية التي تقول إن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، وجاءت المادة 219 من دستور عام 2012، الذي أقرته جمعية تأسيسية للدستور بأغلبية إسلامية، بعد انسحاب ممثلي الكنيسة قبل التصويت رافضين: "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة".

واعتبره شيوخ الإسلاميون، في الفضائيات وعلى منابر المساجد، نصراً عظيماً للإسلام، وبشّروا جماهيرهم بأنه قريباً سيحل شرع الله محل القوانين الوضعية، وستُقطع يد السارق، ويُرجم الزاني.. وتنتهي مشكلات مصر!

في ظل هذا كله، كان التخطيط لإسقاط محمد مرسي يجري على قدم وساق في أروقة أجهزة الدولة المصرية، ولم يغِب عن محترفي لعبة "العصا والجزرة" أهمية اجتذاب أغلبية "شعب الكنيسة" لرحاب تأييد الحكم العسكري المُبشَر به.. ومعطيات الواقع جعلتْ هذه المهمة أسهل خطوات التجهيز لانقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، فيما أعتقد، فلقد قام الإسلاميون بما يكفي لتسهيل المهمة!

يتناسى البعض متعمدين أن الكذب أسوأ الأفعال الإنسانية، وأن الكذب على النفس وخداعها يُزيد من سوء الكذب انحطاطاً.

يكذب الإسلاميون ومناصروهم على أنفسهم الآن عندما يستنكرون، مندهشين، من تأييد معظم المسيحيين المصريين للنظام العسكري، كأنهم كانوا يتوقعون أن يندفع المسيحيون في أحضان مَن يرونهم مواطنين من الدرجة الثانية.. ففي الوقت الذي كانت فيه حركة "النهضة" الإسلامية في تونس، بقيادة الشيخ راشد الغنوشي، تعلن بوضوح رفضها لأي محاولة لجرها لخطاب طائفي مقيت ضد غير المسلمين، بل زادت وأعلنت أن مسألة النص على "إسلامية" الدولة في الدستور ليست معركتهم، والأهم هو بناء دولة العدل والمساواة والمواطنة، ومحاربة الفساد، كان قيادات الإخوان في مصر يخوضون معركة المادة المُفسّرة لمبادئ الشريعة في الدستور! بينما البلد حينها كان يغلي ضدهم، وأعمدة سلطتهم هم أنفسهم تتداعى.

منصة اعتصام رابعة كانت تبث أيضا هجوما على البابا تواضروس لمشاركته في بيان 3 يوليو 2013، وهو ما فسر كموقف من عموم الأقباط، ثم اندهش البعض من تأييد المسيحيين بعد ذلك للفض الإجرامي للاعتصام، وكأن الطبيعي أن تتوقع من البشر أن يكونوا نبلاء ملائكة، يسيرون في الطريق الصحيح، حتى لو كان ضد مصالحهم!

النظام العسكري في مصر ليس نصيراً لدولة المواطنة بالتأكيد، بل هو راغب في ترسيخ الخوف بداخل مسيحيي مصر، فقط هم يجيدون لعبة "العصا والجزرة" التي مارسها كل مستبد من قبلهم، لكنهم يمتلكون ميزة إضافية، وهي رصيد هائل من الحماقات التي مارسها الإسلاميون تجاه قضية المواطنة، خلال فترة بروزهم للساحة السياسية.

والآن، نجد الكثير من "الشامتين" في ضحايا ومصابي تفجير "الكاتدرائية المرقسية" الإرهابي، بدعوى أنهم مسيحيون مؤيدون للانقلاب، و"خلي السيسي اللي هتفوا باسمه ينفعهم!"

أنتم من دفعتم بهم ليتخندقوا في مساحة "شعب الكنيسة" يا عزيزي الإسلامي، بعد أن حرمتمونا جميعاً من نعمة أن نكون جميعاً "شعباً واحداً" بحق، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات.

يستمر إسلاميو مصر في تضييع الفرص، ويهربون من حقيقة أن الواقع بأسئلته يفرض عليهم العمل على صياغة خطاب ديني مجدد حقاً، لا على طريقة السيسي بالطبع، يجعل "المواطنة" واقعاً حقيقياً، لا مجرد كلام لا أثر له.

إلى أن يحدث هذا، سيظل معظم مسيحيي مصر في خندق الدولة العسكرية، بكل طائفيتها ضدهم، خوفاً من طائفية وتمييز أكثر شراسة ينتظرهم إن عاد الإسلاميون لتصدّر المشهد مرة أخرى.

وسنظل جميعاً نشمت في مقتل بعضنا البعض، كلما ألمّت مصيبة بطائفة منّا، بينما صاحب البيادة يراقب المشهد المأساوي سعيداً، ويبتسم في رضا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.