المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد مدحت  Headshot

لماذا يكذب عليك أولادك؟

تم النشر: تم التحديث:

الإجابة عن هذا السؤال قد تطول بشكل لا تستوعبه المساحة المخصصة لهذا المقال، فاختصاراً للكلام، بشكل لا يُخِل بأساس المعنى، يمكنني أن أقول بضمير مستريح إن السبب الرئيسي هو: "عشان يريحوا دماغهم" و"ترييح الدماغ" اختصارٌ لتفاصيل كثيرة من الصدام والشجار والمشاكل، الصغيرة منها والكبيرة، يكذب عليك أولادك، والحديث هنا عن الأولاد "الطبيعيين"، لا الأشرار منهم أو المشاغبين؛ كي يتجنبوا الصدام بكَ في المقام الأول، فمعظم البيوت المصرية لا تعرف معنى كلمات مثل "الحوار" و"النقاش"؛ حيث يريد معظم الآباء أن تكون علاقتهم بأبنائهم ذات طبيعة عسكرية إلى حد ما، فعلى الأبناء أن ينفذوا ما يصدر إليهم من أوامر، وكفى.. قد يسمح لكَ أبوك بالنقاش معه، في بعض الأحيان، عندما يكون رائق المزاج، لكنه يضع قانوناً رئيسياً لهذا النقاش قبل أن يبدأ: قُل ما تشاء، وستفعل ما أشاء أنا.

هكذا نجد بيوتاً مصرية كثيرة قائمة على هذا الاتفاق غير المكتوب: يفعل الأبناء ما يحلو لهم بعيداً، عن أعين الأب، وهو "يطنش" ويعمل نفسه مش عارف، فلا يسعى لمعرفة ما سيغضبه.. وهكذا يسير المركب بمَن فيه، المهم ألا يخرق أحد الطرفين هذا الاتفاق، فلا يرتكب الأبناء ما يفضح ما يفعلونه في السر، ولا يسعى الأب للنظر في ما وراء الكواليس، فيكتشف ما لا يرضيه.

يمثل الأب هنا رمزاً للسلطة الأبوية ورغبة السيطرة.. فالأهالي في معظمهم، وبشكل عام، في الثقافة العربية، يرون أن دورهم المقدس هو فرض الخبرات التي خاضوها على أبنائهم، حتى لو كانت هذه التجارب من عشرات السنين وفي ظروف لا علاقة لها بالواقع الجاري.. بعضهم تحركه نزعات الهيمنة، والبعض يعانون حالة حب امتلاك مرضي تجاه أبنائهم، يشعرون أنهم ملكهم وحدهم، لا شريك لهم فيهم، ومن حقهم أن يُحركونهم كما يشاءون.. لكن كل هذا يهون جوار المشكلة الأكبر، في رأيي، التي تسيطر على عقلية معظم الأهالي المصريين، وهي رغبتهم في حماية أبنائهم من القدر، من التجربة ونتائجها، معاناتها، وحتى لذتها في بعض الأحيان.. الخوف هو الدافع الرئيسي، خوف منبعه المحبة الصادقة، لكنها محبة مؤذية، مُوجهة في الاتجاه الخاطئ.. العصفور في قفصه في مأمن من الأخطار، لكنه أيضاً محروم من ممارسة حياته الطبيعية، من التجربة والخطأ، من التعلُّم، من فطرته التي خلقه الله عليها: الطيران.

الكذب بين الأبناء وأهاليهم درجات، هناك أبناء يخفون تفاصيل صغيرة من حياتهم، وهناك من يخفون معظم حياتهم عن الآباء والأمهات.. المشكلة ليست في "الكَم"، كمية الكذب قليله أو كثيره، المصيبة في لُب الفكرة، في حقيقة أن الكذب أصبح أسلوباً للحياة في البيوت المصرية.

في فيلم "الرهينة" مشهد أحبه، توجه فيه الخاطفة "نور" للمخطوف "صلاح عبد الله" سؤالاً ما، فيجيب كاذباً: "مش فاكر"، فتصفعه فجأة على وجهه وهي تصيح: إلا الكذب!

لو قُدر لي الزواج مستقبلاً، وهو أمر غير مضمون الحدوث في هذه الأيام الصعبة، ستكون قاعدة تعاملي الأساسية مع أبنائي هي "إلا الكذب!".. ما أنا إلا ناصحٌ أمين لكَ، افعل ما تختار، لكن لا تكذب عليَّ، ولا على أي مخلوق كان؛ لترضيه.. دوري معك يتوقف عند حدود النصيحة، طالما وصلت لمرحلة عمرية وذهنية تتيح لك نضجاً يكفيك لتختار.

لن أعيش حياة أحد بالنيابة عنه، يكفيني ثقل ما عشت.. ليخوض تجربته بنفسه، يتحمل حلاوة اختياراته، ومرارتها قبل حلاوتها.

فقط أتمنى ألا أدوس مبدأي هذا بعد 15 أو 20 سنة من الآن، بدعوى الخوف وحماية أبنائي من هول التجربة، فجيلي لم يشهد شيئاً متكرراً مثلما شهد لحظات سقوط مَن باعوا مبادئهم التي ناضلوا من أجلها لسنوات.. فاللهم لا تبتلينا بعيبٍ انتقدناه في غيرنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.