المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود شعير Headshot

المُطارد

تم النشر: تم التحديث:

ركض بأشد ما يملك، كان لا يزال داخل المحطة المُزدحمة، يحاول دفع المتوافدين عليها بكلتا يديه وهو يعبرهم قفزاً، ألا يستطيع أن يقفز فوق رؤوسهم كما يقفز فوق الحقائب والأمتعة المُنتشرة هنا وهناك، لا يعرف من المحطة مداخلها أو مخارجها، غير أنه يركض ويعلم جيداً أنه لن يتوقف عن الركض، يعلو من خلفه صوت قوي "امسكوه إوعوا يفلت"، غير أن الصدمة ومُحاولة فهم المارة لما يحدث كانت تُكتف أيديهم عن أي مُحاولة إيقافه،

يقول الأطباء أو العلماء -لا يدري- إن عقل الإنسان يستوجب ثواني معدودة لاستيعاب المؤثرات الخارجية قبل أن يُعطي الإشارة اللازمة لباقي أعضاء الجسد للتحرك والتعامل تجاهها، وهي ما كانت كافية لعبوره وسط من تلفتوا حولهم في ذهول، بل ووسط رجال أمن المحطة الذين ترددوا بين السعي خلفه وترك مواقع عملهم، وبين مُتابعة الأمر بأبصارهم بعدما تجاوز إحدى بوابات المحطة الحديدية متقافزاً وخرج للشارع.

تلفت يميناً ليجد أحدهم يهرول نحوه، وهو ما أجبره على الهرولة يسار البوابة التي لفظته للخارج، لا يدري لماذا يرتدون جميعاً اللباس الثقيل داكن اللون ذاته، ويعلو وجوههم الشارب الكث والنظرة المُتحفزة المُحتقنة ذاتها.

ركض بقوة أكبر قبل أن تسقط إحدى قدميه في بِركة من مياه الشارع أصابت ساقه التي رفع الجلباب بيده عنها بالبلل، تذكر علبة السجائر وقطعة الحشيش بها أسفل شرابه الطويل، ماذا لو كان كل ذلك مجرد اشتباه وسقط بأيديهم فتورط فيما هو أكبر بسببها؟! لا بد أن يتخلص منها في الحال، غير أن توقفه لثوانٍ يعني الزج به في السجن؛ ليُكمل ركضه.

في وقت سابق حكى صديقه محمود عن إحدى مُطاردات رجال المركز له، وكيف أنه قام بتضليلهم خلفه في الشوارع الجانبية للبلد، ظل يبحث عنه بعينه حتى وجده، عبر الشارع جرياً مُبتعداً عن سور المحطة، وسط أصوات السيارات، وقبل أن يصدمه أتوبيس الهيئة الذي وصفه سائقه غاضباً بأنه "ابن..."، ونظر القليلون من جلوس القهوة باستعجاب وسكينة، كان الراديو يصرخ بصوت السادات المُميز يتحدث عن نصر العام الماضي، وعقله يصدح ببداية عمله في الاستيراد عام النصر، كان العديد من أصدقائه ورجال بلدته قد بدأوا في سلك الطريق ذاته قبله بمُدة كبيرة، يعملون على استيراد الأقمشة وعلب السجائر وزجاجات الخمر والساعات جيدة الصُنع وبيعها في مصر وأكل الشهد من ورائها، هكذا قالوا،

غير أن الحقيقة كانت في تهريب تلك البضائع من السفن القادمة بثمن بخس وبيعها بأسعار أقل من سعرها الحقيقي، ظل في عمله شهوراً كانت كفيلة له بأن يتخلى عن عمله كساعٍ بمبنى وزارة الثقافة ببور فؤاد بثلاثة وعشرين جنيهاً، لم يأكل الشهد ولم يُعد الألف جنيه الذي حصل عليه من أمه وذهب زوجته القليل وبعض أصدقائه ليبدأ بها عمله، لم يشترِ التلفاز، ولم يُكفِ احتياجات منزله الصغير التي لم يكفها من قبل، لم يُهدِ والدته جلباب قُطن من بلاد برَّة، كما كان يتمنى، ولن يستطيع أن يُخفي عليهم حقيقة حاجته لهذا المبلغ أكثر، يحتاج من يُنقذه من تلك الدوامة.

انتهى به الشارع فجأة، ما زالوا خلفه، يدخل شارعاً آخر على يساره، بدأت قدماه في الارتعاش وبدأ حذاؤه اللامع ذو الكعب العالي والبوز الرفيع في الضغط على أصابعه أكثر، جريدة الأخبار، سمع في القبل عن عائلة أمين التي اخترعت الجرائد، هذا الشارع أهدأ من السابق، الصوت إنه "خد يالا" يتعالى ويرن، نظرات بائع الجرائد والسجائر المحلية تتفحصه، يكح مرتين فيصعد البلغم إلى حلقه، يبصقه بقوة، لماذا لا يشربون السجائر ويُصابون بأمراض الرئة مثلنا؟ يقول الطبيب إن هواء بلدتنا رطب، لكن ورغم أي شيء يجب أن يستمر في الهرب، فلو زُج به في السجن سوف يُكمل تربية ابنته ذات الثلاثة أشهر رجل آخر.

يركض يميناً، هذا الشارع أوسع من السابق بكثير، هذا يعني أنه أكثر خطورة، كما قال محمود من قبل، العديد من المحال والفتارين يقف أصحابها أمامها ينظرون للشارع في بحث متواصل عن زبائن، محل عصير وكباب وأجانس سيارات، ربما يكون هذا هو مقصده، لا يدري، توقف بُرهة مُحاولاً التفحص فيه، لا يوجد سوى السيارات الجديدة الصامتة الواقفة بميل لعرض وجهها وجانبها الأيسر على المارة، يُكمل ركضه وسعاله يتصاعد، أصبح أشد قسوة وأقل بلغماً، لا يعلم لماذا أصر ذلك التاجر علي أن يكون لقاؤهما في مصر -لعنة الله عليه- قالوا إنه أفضل تاجر يدفع في السيارات المُهربة، وقال سعيد، صديق طفولته وهو يتجرع كوب بيرته: إن تهريب سيارة واحدة يُساوي سنة كاملة من تهريب السجائر والخمور، يشعر بالخدر يتناول أعلى فخذه الأيسر.
أن يُزج به في السجن يعني أن تبكي والدته حتى الموت.

ما زال يبحث عن شارع جانبي آخر، تتباطأ سرعته، تتعالى كحته ونبض صدره، يتعالى الصوت خلفه، يشعر بطعم الدماء في حلقه، يتوقف قليلاً لالتقاط أنفاسه واضعاً يده على صدره، ما زال الثلاثة أنفسهم يركضون خلفه، نالهم التعب كما نال منه، غير أن أحد عساكر الشرطة بزيه الميري قد انضم إليهم، أصغر منهم سناً وأكثر منهم إرادة، في مثل عمره، تلتقي أعينهم للحظة عن بُعد، كلاهما عازم على تحقيق هدفه، لماذا كل هذا التصميم داخله؟ لا يدري.
أن يُزج به في السجن يعني أن تعوله والدته في محبسه بدلاً من أن يعولها هو بعد كل تلك الأعوام.

تتعالى أنفاسه مع استمرار ركضه، يُحاول الاستناد بيده على المارة أثناء إزاحتهم من طريقه، تتفحصه العيون وتلعنه الألسنة وتصدمهم عيونه المُشتتة في ألوان عديدة من الأقمشة الباهتة حوله، مسجد السلطان أبو العلا، شارع ضيق آخر، يعبر الشارع وسط السيارات مرة أخرى، أمل آخر في الفرار، يصل الخدر لقدميه، يستند بيده اليُمنى على جدار المسجد أثناء ولوجه في الشارع على يساره، مستنجداً ببركته وبالله.
أن يُزج به في السجن يعني أن يؤكد لعنات زوج أمه له.

شارع أكثر ضيقاً من الباقي، أهدأ، أقصر، يركضه لنهايته، يتعب، ما زال العسكري خلفه، الأصوات، النساء البدينات، المياه الراكدة المُشكلة لبِرك بوسط الشارع، تغيم عيناه من التعب، يشعر بالدماء أكثر وأكثر في حلقه، تتباطأ أنفاسه تحت وطأة الكحة، ينكسر به الشارع يساراً لآخر أكثر ضيقاً، صوت الشعراوي يخترق أذنيه، كان يسمعه في الماضي يقول إن الموت حرقاً هو أشد أنواع الموت إيلاماً؛ لذلك اختاره الله لعذاب غير المؤمنين به يوم الوعد، لم يتحدث الشعراوي عن الموت خنقاً.
أن يُزج به في السجن يعني أن تُصيب العنوسة أخته أكثر.

ينتهي به الشارع إلى لا شيء، عمارة تقطعه بالعرض، يصعدها دون وعي، ما أشد درجاتها على قلبه وما أطولها، يتحامل على الجُدران بكلتا يديه في صعوده، يحاول قفز الدرجات معاً، لا بد أن قدميه خاليتان من الدماء وهو يجرهما تحته، يصعد ويصعد وتخفو أنفاسه على عتبات باب خشبي هزيل، يتحامل بجسمه عليه فينفتح، تتشابك العمائر وتتجاور، غير أن جميعها أعلى من تلك البناية، لم يحسب مخرجو الأفلام حساب ذلك المأزق من قبل، يعود مُتحاملاً على نفسه حتى الباب، أصوات أقدام كثيرة على درجات السلم، يعود بظهره خطوات سريعة فينقلب عليه، ينهض سريعاً، لا يستطيع السير أكثر، انتهى الركض الآن، يستند بيديه على السور المواجه للشارع، جميع الشرفات مفتوحة تنظر إليه، وعدد كبير من الأطفال والرجال يتحلقون أمام مدخل البناية، رافعين أعينهم للسماء في انتظار ما سيحدث، لا يعلم إن كانت تلك حبات عرقه أم دموعه.
أن يُزج به في السجن يعني أن تنتهى حياته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.