المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود شعير Headshot

على الجانب الآخر

تم النشر: تم التحديث:

كُنت أجلس بصالة المنزل الصغير بعد أن خلعت قميصي الصيفي، أشعر بجسدي لزجاً من عرق العمل وأتربة الشارع، تُعد زوجتي كوباً من الشاي الساخن لأجلي، كُنت قد تأخرت عما يجب أن أقوم به بعد اجتماعٍ أصر صاحب المدرسة التي أعمل بها على أن يعقده بحضور جميع العاملين، بعد يوم عملٍ شاق لسببٍ أجوف، لكنني لم أستطع عدم التقاط أنفاسي.

لم أختبر المرض مِن قبل، فباستثناء نزلات البرد والإنفلونزا والصداع المُفاجئ لم أتورط أكثر، اعتدت على العمل المتواصل والسعي المُستمر، لا أمكث بمنزل سوى قليل، وعندما ماتت والدتي وشِختُ فجأةً، كما يقول المثل، لم تتوقف قدماي عن الركض بالطرُقات.

في الشهر ذاته من العام الماضي سقط والدي، كان قد رفض ترك منزله بعد وفاة والدتي، وقرر أن يستمر به وحيداً، وهو ما جعلني أتناوب زيارته مع زوجتي يومياً للاطمئنان على أحواله، التي لم تتغير على مدار أشهر، حتى ذلك اليوم الذي لم يفتح الباب في استجابة لطرقاتي كما أعتاد أن يفعل كُل مساء، ظننته نائماً لتأخر الوقت، وحينما اقتربت من منزلي الذي يبعد مسيرة ربع الساعة على قدمي عُدت أدراجي، فتحت الباب بالنسخة التي أملُكها من مفتاح منزل تربيت وعِشتُ به حتى زواجي، كان والدي يغُط في شِبه نومٍ عميق أعلى كُرسي كبير بالصالة، ناديته بهدوء وهززته بقوة فلم يستجب، قُمت بحمله والإسراع به للمستشفى الحكومي القريب؛ ليُصبح معها بقاؤه وحيداً أمراً يعني الموت حرفياً له.

انتقل والدي للعيش معنا، فيما انصرف إخوتي بعد زيارته بالمستشفى كُل إلى حياته، واطمأن أخي المُقيم بالسعودية على حالته هاتفياً، أعلم صعوبات الحياة وأزقتها المُزدحمة.

على مدار حوالي العام تغيرت الحياة، يقول أحدهم إن الحياة هي مجموعة العادات التي نؤديها، فتتغير حياتنا بتغيُر عاداتنا بها، وهو ما كان، لم أعُد أستطيع ترك المنزل كثيراً.

اضطررت للتخلي عن عملي الإضافي بفترة ما بعد الظهيرة؛ لأكون موجوداً بجواره، انحسر دخلي كما انحسر تفكيري عن الدواء غير المُتوافر والأطعمة التي تُسبب له الإسهال، الحفاضات والاستحمام، الفوط الخاصة به وملاءات الأسرة والملابس المغلية في المياه.

لم تستطِع زوجتي الحصول على إجازة بلا مُرتب لا تعلم مُدتها، وقررت أنا إثناءها عن قرارها بترك عملها للتفرغ لرعايته، ونجحت في ذلك، أعود مُسرعاً من العمل، فأتناول كوباً من الشاي لالتقاط الأنفاس ثم أقوم بإطعامه مما قامت زوجتي بتحضيره فجراً قبل خروجها للعمل؛ لأنتظر بعد ذلك عودتها لتقوم بإعداد الحمام ومُساعدتي في الغسل والبدء في إعطائِه الأدوية بانتظامٍ على مدار اليوم.

تخليت عن اندهاشي من عمل المُمرضات، كيف يستطعن الاستمرار وسط كل تلك الويلات والمشاهد التي يحين بها، إنها العادة وفقط، احترفت تغيير الحفاضات والتنظيف وكيفية التعامل مع نوبات الإغماء التي تنتابه من حين لآخر بسبب مرض السكري، والتي لا نعلم سببها مع تناوله الدواء الخاص بها بانتظام، كما اعتدت تجاهل صرخات ألمه التي كُنت أهرع لها في البداية، والتي أخذت في التعالي والتكاثف مع مرور الأيام.

أصبح لا يقوى على قضاء حاجته وسط تلك السكاكين التي يسببها الورم الخبيث بالمثانة، وأصبحت أحلامي تنحصر في تدبير المال اللازم للأشعة باهظة الثمن، تحاليل الدم والبول والأدوية التي أُهاتف معارفي وأقرباء زوجتي لمساعدتنا في إيجادها، وفي التسكع من محل لآخر بشارع قصر العيني للسؤال عن أسعار الكراسي المُتحركة والوسادات الهوائية الحامية من قُرحة الفِراش، والتعجُب مما أفعله وأنا أُغلق باب الغرفة التي خُصصت له ليحميني من أناته التي لا تنقطع.

كُنا في السابق ثمانية إخوة، نتكدس بمنزل صغير بإحدى ضواحي القاهرة الفقيرة، لوالد فقير يعمل كموظف حكومي بمصلحة السكة الحديد؛ لنخرج منه فقراء بالتوارث كما كُنا، مُتوسطي التعليم والدخل والحياة.

يموت أحدنا في محاولته للهجرة والهرب دون أن يشعر والدي، وتموت أُخرى تحت وطأة المرض والفقر دون اهتمامٍ مِنه، ويعمل الآخرون بالورش والمحال لتوفير القوت ومصاريف الملبس والمقهى دون أن يسأل والدي يوماً لما فعل بِنا كُل ذلك، لكني سألت كثيراً، وظللت أسأل حتى تزوجت واستقللت بفقري وحاجتي، حتى أتى اليوم الذي غرقت به في دوامة المرض دُفعة واحدة، أرعى فيها مريضاً أكاد لا أعرفه، أُحاول الحفاظ على حياة من أراه السبب في كُل ما مررت وما زلت أمُر به من صعوبات.

لم أكن يوماً أحبه أو أكرهه بالمعنى المعروف عن الحُب والكُره، أرعاه ولا أدري لماذا أستمر أو كيف أتملص من تلك المسؤولية، فأستمر بها أكثر، وتتسمر حياتي أكثر، وأنفجر لكوب الشاي غير الساخن لدرجة كافية، ولضوء الحُجرة المُضاء باستمرار وللطعام غير الجيد.

أكره اتصالات إخوتي الباهتة للاطمئنان على والدهم، وأود لو أصرخ بأنني أحتاج لدعمٍ أكثر من مادي تافه، أو أنفجر أن ارحموني من حياة يورق بها الموت، نعم، سئمته وسئمت صراعي وحيداً بتلك المعركة الخاسرة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.