المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود شعير Headshot

.. وفشلت الثورة

تم النشر: تم التحديث:

14:3

نائماً على بلاط الكانتين الخاص بالكتيبة التابعين لها، يرقُد بجواري اثنان من زُملاء دُفعتي، ونغطي وجوهنا بالأفارول الميري؛ ليقينا الذباب اللزج في مثل تلك الساعة الحارة.

استيقظت من غفوتي البسيطة، بعد يوم طويل من الطوابير مُجوفة المضمون، التي تبدأ مع شروق الشمس، كان هناك مَن يتحدث مع باقي الزُملاء بصوت كالخطابة، ميزت فيه صوت المسيري، وهو اسم الشهرة لأحمد عبد الجواد، العامل كحداد مِسلح بالأقصر، الذي سبق دخوله التجنيد دخولي بعام بالتمام والكمال.

14:16

أيقظني بيبو، ابن دفعتي وصاحب محل الحلاقة بالقاهرة، بعدما كُنت قد غفوت ثانية؛ ليُطالبني بأن أنهض وأقوم بارتداء حلَّتي العسكرية كاملة، سألته بصوت واهن:
- هو فيه جمع؟

- لا.. بس هنروح كلنا للقائد علشان نقوله نرجع السرية.

كان قائد الكتيبة برتبة رائد، وكُنا 42 عسكرياً تابعين لإحدى السرايا الأربع التابعة للكتيبة، وكان قد تم استدعاء عدد من عساكر كل سرية إلى الكتيبة للمشاركة في مُسابقة على مستوى كتائب القوات المُسلحة كُلها لمدة ثلاثة أيام، أو هكذا ادَّعوا قبل ذهابنا للكتيبة، ولأن الكتيبة هي المركزية بالنسبة لنا، فقد كانت تعمل بنظام من الميري، يعني الجحيم ذاته لعساكر اعتادت التعامل مع سراياها كما يتعامل العازب مع منزله.

14:18

كان بيبو قد انتهى من شرحه بأن كافة عساكر السرايا الأخرى قد عادوا إلى سراياهم صباح اليوم بعد انتهاء المُسابقة التي استمرت لخمسة أيام، وأن عدداً من عساكر سريتنا قد سأل في مكتب الأفراد، وعلم أن قائد الكتيبة قد أمر ببقائنا في الكتيبة لثلاثة أيام أخرى لا نعلم ما ينتظرنا خلالها.

14:19

انتهيت من ارتداء ملابسي العسكرية كاملة في أقل من 40 ثانية.

14:20

انضممت لزملاء السرية الواقفين على مقرُبةٍ مني لمُناقشة الأمر، كان الخبر صحيحاً، فقد تقرر بقاء عساكر سريتنا فقط لثلاثة أيام أخرى دون إبداء أسباب، وهو ما دفع المسيري لدعوتنا للذهاب مُتجمعين إلى مكتب الرائد واستبيان الأمر.

قبل أن يتساءل الشيخ علي: "طب وإحنا هنروح له كُلنا؟".

رد المسيري سريعاً: "أيوة علشان يعرف إن كُلنا عايزين نمشي".

فأجاب الشيخ علي: "لكن ده ممكن يعمل لنا مشكلة، هو إحنا في الشارع".

كانت الدائرة قد توسعت وضمت غالبية أعضاء السرية، وكانت الأصوات تتعالى ولا يُمكن تميزها عن بعضها وسط الجو الخانق.

- إحنا لازم نروح كُلنا هيعملوا لنا إيه يعني؟!

- يا عم فاكس علشان ما يحصلش قلق، واحد بس يروح.

- آه علشان الواحد ده يلبس الليلة لوحده.
- يا عم لو حصل له حاجة نبقى نتكلم كلنا.
- أنا بقول نختار تلاتة يروحوا للرائد.
- خلاص أروح أنا والمسيري وممدوح.
- يا عم ممدوح إيه ده غبي وابن مـ...
- خلاص يا عم روح له أنت بـ...
- يا جدعان إحنا نختار واحد من دُفعة اتناشر وواحد من دُفعة ستة.
- يا عم ما ينفعش انت عايزنا نبعت واحد لسه مُستجد.
- وهو المستجد يعني إيده في.. ما بيعرفش يتكلم.
- بيعرف يا عم بس برضوا ده رائد.
- خلاص إحنا نبعت أقدم واحد فينا.
- يبقى حسن عبود.
- يا نهار اسود ده حرامي يا عم.
- بس هو أقدم واحد وأكتر واحد عارف الميري.
- يا عم ده بقاله أكتر من 3 سنين في الجيش وعمال يتحبس كل شوية وجاهل ومش هيعرف يتكلم.
- خلاص يروح هو وأقدم اتنين تانيين معاه.
- مفيش أقدم، غير حسن في دُفعة اتناشر وبعدها دُفعة ستة.
- بقولكوا إيه يا جدعان إحنا نكلم السرية.
- بس الظابط عمرو في أجازة وما ينفعش نكلم ظابط تاني غير قائد السرية هيبقى عيب.
- لا مش عيب نكلم أي ظابط وخلاص.
- أصلاً يا جدعان مفيش غير الظابط حُسام هناك وده ظابط احتياط ولسه جديد ومش هيعرف يتصرف.
- إحنا ما نكلمش حد علشان ما يعرفوش وياخدوا احتياطهم إحنا نطلع سوا كده على القائد.
- احتياط إيه هو إحنا هنفجر المكتب؟
- بقولكوا إيه سوا دي ممكن تعمل مشكلة فبلاش.
- إحنا الأحسن لو هنروح كُلنا نروح الأفراد ما نروحش للرائد.
- ما الأفراد مفيش في إيدهم حاجة.
- بس هما هيكلموا الرائد.

- لا لا، هما اتنين أو تلاتة مننا يروحوا للرائد.

14:53

كانت الدائرة قد بدأت في الانكماش على ذاتها تحت ضربات الجدليات الميتافيزيقية، والأيديولوجيات المُتصارعة من أجل الوصول لسبيل واحد يُحقق هدفاً مشتركاً مُتنامياً في اللانهائي المُترامي عند الشفق لحظة الغسق المُتأجج بأنفاس الشغيلة وعرق العُمال والفلاحين والعساكر والأرزقية من أجل عالم يسوده الرخاء والماء والهواء والجلاء بالدماء، من أجل تأصيل المبادئ وتسديد البنادق في الخنادق البعيدة المتوالية.

14:56

كنت قد انسحبت من الدائرة التي بقي فيها على ستة أفراد يتداولون في شأننا الكوني، وهل من الأفضل أن نذهب للرائد أم نُهاتف السرية أم نحتج أمام مكتب الأفراد أم نعود إلى صفوف الجماهير ونرفع أيادينا بالدعاء على الظالم والمُفتري.

14:58

كُنت قد عُدت إلى موضعي سالماً بعدما خلعت أفارولي العسكري وأعدته إلى وجهي، لأسمع من تحته صوت أحد الرفاق يقول بأنه قد اتصل هاتفياً بالظابط حسام الذي أخبره أنه سوف يأتي للكتيبة عصر الغد لحل ذلك الوضع العصيب.

اليوم التالي

6:10

بدأ طابور التمام من نحو سبع دقائق، وكالعادة حضر كافة ضُباط الكتيبة وعساكرها وقادتها الطابور، وعقب انتهاء الصول أحمد عبد المقصود من عدّنا والتتميم علينا، رفع الرائد صوته الجهوري "أُمال فين المسيري؟".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.