المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود عمارة Headshot

كُن ذا أثر

تم النشر: تم التحديث:

من حسن الإدراك أن نتعلم من ديننا أنه مهما بدا العالم سيئاً من حولنا لا يُفترض به أن يمنعنا من فعل ما نحن قادرون على فعله لمنعه من أن يتحول إلى ما هو أسوأ.

وفي الحكمة قالوا: (ما لا يُدْرك كُلُّه لا يُترك جُلُّه).

المفاهيم التي أريد الربط بينها هنا كي تكون الصورة واضحة هي: (الإدراك - المسؤولية - الإيمان - القدرة على التأثير - قيمة الأثر).

والقصد أنه قد بين الدين أهمية الفرد وتعزيز شعوره بالمسؤولية نحو إعمار الأرض ومقاومة ما يغاير حياة الإعمار.

قال تعالى: "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (سورة هود: 61)، "وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" (الأعراف: 56).

لا بد أن يكون مفهومنا في الحياة على هذه الأرض هو تعميرها، وكل على حسب قدرته ومجاله، فلو راقبت أرضاً بها نبات سريع التكاثر ستجد بعد فترة أن هذه الأرض قد امتلأت به، ولو راقبت قطعة طعام تكاثر على أكلها النمل ستتلاشى بالتأكيد.

هكذا نحن البشر إن لم نشعر بمسؤولية الإعمار والإصلاح تجاه المحيط الذي نتواجد به؛ سنخربه، ولكنه لن يفنى بل سنجعله غير قابل للوجود فيه، فنفنى نحن تاركين إياه لمن يحسن الوجود فيه وتاريخ الأمم خير شاهد.

قال تعالى: "وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" (سورة محمد: 38).

هل للأفراد القدرة على التأثير في هذا النطاق الواسع؟

لست مطالباً بمشاهدة أثر ما تعمل المهم هو الشروع فيه والقصد منه.
نعم رؤية الأثر ونشوة الشعور بالإنجاز تملأ النفس فخراً وسروراً، بل وتدفعها إلى الاستمرارية، ولكن الإخلاص لله كالبوصلة التي تجعلك تضع الأمور في نصابها.

ومن الناحية النظرية والعلمية قوانين نيوتن تقرب لك الصورة ونظرية تأثير الفراشة، وإن كانت فلسفية ومبالغاً فيها، الشاهد أنه لا يتصور ضياع عمل، وخاصة في عقيدة الإسلام.

قال تعالى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى" (سورة آل عمران: 195)، "إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" (سورة يوسف: 90)، "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه" (سورة الزلزلة: 8).


ولك في قصة النملة مع النبي سليمان عبرة تجد أنها كانت سبباً في إنقاذ قومها من الهلاك، فهي لم تهرب وتؤثر نفسها، ولم تستصغر دورها في التحذير والإبلاغ في هذا الموقف الصعب، فقامت بدور إيجابي استحق أن يضرب به المثل في القرآن عبرة للناس.

الأمر ليس قصة سينمائية تتولى فيها البطولة، وأن تعيش في أدوار هوليوودية تغير العالم بقوى خارقة.

ببساطة أن تعرف نفسك والمحيط جيداً معتبراً نفسك لبنة في بناء الأمة محاولاً أن تُثري الوجود بوجودك الفعال، ونشر الخير فيه، لا مجرد أنك كائن يتناوب مع غيره البقاء على الأرض.

قال تعالى: "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً" (سورة المزمل: 20).

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل".

هل تساءلت ما الحكمة من ترك نخلة صغيرة في نهاية الزمان؟

في الحديث دروس عظيمة من أعظمها الإيجابية في حياة المسلم، وأن يشارك في هذه الحياة بكل ما يستطيع، وبقدر ما يمكنه، ولو كان ذلك في آخر لحظات الحياة.
ولو لم يقُم بعض السابقين بالبحث والاستكشاف والتعلم والتعليم وحفظ الخبرات ونقل المعرفة لمن بعدهم، لظلت البشرية في حلقة مفرغة من الجهل والظلام، فهل يترك الكثير من البشر اليوم في ظل الصراعات التي نشهدها إرثاً يستحق أن يذكر بخير في الأجيال القادمة؟!

الخلاصة:
1- تعزيز الوعي ومفهوم التكامل بين البشر.
2- نشر ثقافة المسؤولية وترك الأثر.
3- ضمان الحقوق وإن جهل الناس بجهد صانعها.
4- لا تستصغر نفسك عند عظم الغايات.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.