المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محجوب أحمد Headshot

كم عليَّ أن أقتل حتى أصبح مؤمناً؟

تم النشر: تم التحديث:

لطالما ظل هذا الشعار يمثل عقيدة لكثير ممن يتسمّون بعلماء الدين وعلماء الأمة، حتى تبرر القتل باسم الله، والله منهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لطالما ظلّ رهبانيو الشعوب والأمم على مر العصور -وما برحوا- يغرزون هذه الأيديولوجيا لأبناء مجتمعاتهم، وإقناعهم بأن ذلك ما يريده الله، ويُثيب عليه.

أكبر كفر بالله هو الكفر بإنسانه وسلبه حقه في الحياة والحرية والكرامة وخياراته في الحياة؛ لذلك أهون عليك أن تعبد الحجارة، ولكن لا ترمي بها الآخرين، من أن تعبد الله وتصلي وتصوم، ومع ذلك تقتل وتنهب الحريات والحقوق وتجور على الإنسانية.

إن جوهر الرسالات السماوية معانٍ تجسدت في فعل سيدنا عيسى، عندما أراد بنو إسرائيل رجم الغانية، فقال لهم: "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها"، في مشهد سيعجز عنه أمهر الممثلين في تصويره؛ إذ لم يبقَ أحدٌ ليرجمها.

ما فعله سيدنا عيسى هو لم يتعامل معها على أنها مخطئة أخلاقياً أو عقائدياً، ولكن تعامل مع الإنسان داخلها، هذا المخلوق الذي نفخ الله فيه من روحه وكرمه وحرم قتله، فلا عجب أنها الوحيدة التي آزرت سيدنا عيسى في محنته مع بني إسرائيل أكثر من حوارييه.

إن إيماننا لا يقاس بكثرة شعائرنا وصلاتنا، ولكن بقدر إنسانيتنا، وحفظ كرامة الآخرين، فإن الله كتب على بني إسرائيل أن مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومَن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.

فلنتأمل المصطلح القرآني جيداً "نفس" كلمة صيغت بحكمة وبلاغة ربانية، يخبرنا بأن النفس وهي نكرة ليس لها دين أو أيديولوجيا أو عقيدة أو لون أو عِرق، وإنما نفس مطلقة، لا يسمح الله بقتلها، ولا عزاء لمن يكفرون الناس، ويستبيحون دماءهم.

جاءت الرسالة الخاتمة موضحة أن الرسول الكريم ما أُرسل إلا رحمة للعالمين، فلا عجب عندما أخبره أصحابه بأن امرأة تحسن العبادة وكثيرة الصوم والصلاة، غير أنها تؤذي جيرانها، فكان الرد الذي لو أمضيته في الصخر لفلقه، رداً يغسلنا اليوم من أوهامنا ويجرمنا من اتخاذنا رجال الدين أرباباً من دون الله، قال لهم في ثلاث كلمات موجزة: "هي في النار"، أراد خاتم الرسل أن يعلمناً دون ما تأويل بأن مفهوم الألوهية في أُسّه هو مفهوم الإنسانوية وهي جوهر الإيمان بالله.

وبالنظر إلى تاريخنا فإن أعظم الأبطال التاريخيين على مر العصور برزوا في مجتمعات دينية، تم وصفهم بالكفر والإلحاد! كانوا ملاحدة حقاً، فقد كفروا بالظلم والاستبداد، كفروا بالكهنوت ورجال الدين والمستبدين، وأدركوا معنى الإنسانوية، فنجدهم محاطين بالجياع والمضطهدين الذين وجدوا معنى لحياتهم باتباع أمثال هؤلاء الأبطال، أمثال جيفارا ونيتشه وبرنارد راسل من قدموا للإنسانية في شتى مجالات العلوم والرياضيات النضال والتضحية.

نجد أن هذه الشعوب كفرت بكهنوتها الذي ظل يتحكم في مصائرهم وعقائدهم، وأكل أموالهم باسم الله، وقتل وتكفير كل مَن عداهم، ذلك المرض لم تسلم منه معظم الأديان السماوية.

واليوم نجد أن أصحاب القوة ومراكز التحكم في عالمنا استغلوا كهنوتنا وظلوا يدعمونهم مادياً وعسكرياً لتدميرنا، فقد تعلموا أن أول ما يدمر المجتمعات هي معابدها التي لا ترى في الإيمان بالله حقاً للإنسان، اليوم أكثر مَن يقتل المسلمين هم المسلمون، دروس لم نتعلمها من تاريخنا ولم نستقرئها من حروب الإمام علي -كرم الله وجهه- معظمها كانت مع المسلمين الذين بغوا عليه -الملاحدة بالإنسانوية- غير أنه لم يكفرهم، بل ظل يحسن إليهم، فقد كان الإمام ربيب النبوة تشرب بها حتى صار مفتاحاً لمدينة العلم، العلم الذي جاء رحمة للعالمين لم يرضَ الإمام الإساءة لهم، وقال: "هم إخواننا بغوا علينا"، كلمات تظل حجةً علينا إلى زوال الكون.

هذا الإنسان الذي يريده الله تعالى، يتسامى من الخلافات الدنيوية ويحفظ حقوق أعدائه قبل رعيته، فعندما أخبره أصحابه بقتل الخارجين عليه، قال: "لا نبدأهم بقتال"، فقالوا: إذن تحبسهم، قال: "لا نحبس بدون تهمة"؛ لأنه لا مسوغ لقتل الإنسان أو سلب حريته.

فخير لنا أن نستقرئ التاريخ جيداً، وأن ندرك أن جميع الرسالات جاءت لتُرسخ معنى الإنسانوية، وأن الله لا يحتاج لنا، نحن الذين نحتاج إليه، مسؤوليتنا أن نُصحح ونجدد هذه الأفكار، ونلحد بتجار الأديان وصكوك الغفران، وأن نكسر قيودنا، ولا نتخذ أحداً رباً، يقول عبد الرزاق جبران: "احذر من أن يصفك الكهنوت مؤمناً"، فذلك يعني أنك أصبحت من أدواتهم في استعباد الناس باسم الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.