المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

احمد لطفى Headshot

أن تمتلك قرطاً في مصر

تم النشر: تم التحديث:

أطلت علينا شاشات التلفزيون بإعلان، من النوعية التي تكثر في شهر رمضان، تلك التي تتعلق بجمع التبرعات، والتي عادة ما يظهر فيها أحد الشخصيات العامة لجذب الانتباه، لكن هذه المرة جاء الإعلان مختلفاً وبطلته سيدة كبيرة في السن، الحاجة زينب التي تبرعت بقرطها لصندوق تحيا مصر؛ لمساندة الاقتصاد المصري فذاع صيتها وتحدثت عنها وسائل الإعلام باعتبارها نموذجاً للمواطن المصري المضحي

قاموا بعمل مادة إعلانية متمحورة حول هذا القرط الذهبي الذي -كما ظهر في الإعلان- عنى لها كل شيء ولم تكن تمتلك تقريباً غيره من زينة الدنيا، كما أوضح الإعلان مدى الفقر الذي عاشت فيه والشدائد والصعاب التي مرت عليها، ومع ذلك لم تفرط في الحَلَق، لكنها قررت أخيراً أن تتبرع به لصندوق شبه خيري.

أثار الإعلان اندهاش كثير من الناس فظهرت تعليقاتهم من نوع: "الاقتصاد المصري يستند على قرط سيدة عجوز"، أو: "اطمئن مصر لن تسقط طالما معنا القرط"... وغيرها.

مسألة التبرع فيها حرية، فهي أموالك تتصرف بها كما تشاء، تتبرع لمركز علاج الأورام أو علاج الحروق أو الجمعيات الخيرية، كله يصب في مصلحة واحدة؛ مساندة الإنسان، والتبرع شرطه الوحيد أن يكون منطقياً، وهو عمل تطوعي، فليس من الطبيعي أن يتبرع شخص مسكين لبناء كُبري تسير عليه سيارات هو لا يمتلك إحداها بل ربما يكون يعمل في تنظيفها أثناء الليل؛ للحصول على بضعة جنيهات!

حتى التبرع لأجل مصر يمكن أن يكون مفهوماً إذا كان الجو العام به ما يكفي من الحماس، رغم أن مصر دولة، ولا نسمع عن دولة واحدة في العالم تفتح حساباً لجمع التبرعات من رعاياها، لا أعتقد أن اليونان التي مرت بأزمة اقتصادية طاحنة فعلت ذلك، وقد حدث وجمع الحساب أموالاً كثيرة ودخل السباق الرمضاني بهذا الإعلان.

لكنه لم يحرك ساكناً، بدا مستغلاً لسذاجة البسطاء، خاطب الشريحة الأفقر والأكثر اضمحلالاً والمستحقة للزكاة والصدقة، كما أنه أعطى انطباعاً بمدى تدهور الاقتصاد، ذلك الذي لا يعتمد على مناجم ذهب وحقول غاز، ولكن حَلَق بسيط رخيص في أذن فقيرة عجوز.

لو أنه قال مثلاً: كريم عنده أربع سيارات، باع إحداها وتبرع لمصر، لكان أكثر واقعية، لكن لا أحد يستطيع أن يخاطب كريم!

لماذا في مصر دائماً يزداد الفقير فقراً والغني يزداد غنى؟ هل لغياب العدل؟ لو أن هناك عدلاً لما كنا بحاجة للصندوق أصلاً، المليارات مهربة بالخارج، وهناك بؤر كبيرة للفساد في الداخل، هذا ما تحدث عنه إعلان حكومي آخر؛ بأن الفساد مستشرٍ في مصر، دون أن يوضح أي آلية للقضاء عليه، الأشخاص المخاطبون للتبرع يعملون 12 ساعة في اليوم لأجل 800 جنيه لا تشتري شيئاً ولا تكفي حتى إيجاراً لشقة من غرفتين، هناك هوة، حالة من عدم الفهم، بدا الإعلان كأنه باللغة الرومانية، شيء ما لا يعنينا ولا ندركه، ربما كان هو في حد ذاته قصة أخرى من قصص إهدار المال العام في أشياء لا تعود بنفع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.