المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد خالد محمد Headshot

قَدَرُنا الذي لا يرده الدعاء

تم النشر: تم التحديث:

يا بني.. إن محتوماً توجَّب عليك ملاقاتُه وإن رباً في سماءِ يملِكها، وإنك في المحتوم مخيرٌ غيرَ مسير، فالقدرُ كما أعرِفه تصرفك يعلمه الله لا فعلُكَ عليه يجبرك، ثم إن ما يعلمه الله لا يمكنك أن تحيدَ عنه، فربك العليمُ الأعلمُ، ولا أُخفي عليك من السر كبيره أنك من السهل أن تَسقط في شَركِ لآدمي، أَوَليس من الأسهل أن يعلم ما ستفعله الأعلمُ؟!

يا بني.. إنا لا نختار على أي أرض أو تحت أي سماء نعيش، ولا نملُك قراراً به نحجب شمساً أو هواء، وقد لا نعلم وسيلة لعلاجِ أو شفاء، ولا نعلم قوةً بها ننزع ملكاً أو نهب سلطاناً أو نرد اعتداء، ثم فلماذا هذا كله أوَلا نملك وهب حياةٍ؟ بل أنستطيعُ منع موتِ أو حتى تأخيره لبضع أجزاءِ من وقت؟
يا بني.. إن الذي يعلمه الله مما قدره -عز وجل- يمكن بقدرته رده على شرطٍ قرآني فريدٍ من نوعه، لا يمكن تبديله أو الحيودِ عنه "ادعوني أستجِب لكم".
وعلى غير ذلك من صحيح التعبير وجزيله أنه "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" حديث صحيح.

أما نحن وفي إطار من عالمٍ لا يحترم حقوقاً لإنسانٍ، أو يحفظ مقدرات لبشري، أو يملك من الخجل حمرتَه حين رؤيته للدماء أنهاراً تجري، نحن هنا في هذا العالم فسيح الجانب مذبَّحون أو مشردون أو لاجئون أو منفيون أو في أقل الصفات نموت جوعاً، نحن في عالم فقدت فيه الإنسانية رونقها وانبرى للشهادة والحكم رعاعُ الناس من كل طيف، وأصبح سيد الموقف عنجهيات زائفات، وبقايا إنسان في أحسن أحواله يبحث عن نفسه.

إنا في وطن قتله أهله، فحجارته تخضبت وتتخضب وستتخضب بالدماء مرة وألف مرة، محسودون على لا شيء فينا قد يُنصفنا أمام أجيال هذا الوطن القادمة، وطننا تكسوه حلة الحرب، وتعلوه رايات الانهزام، ولا يبقى منه إلا صوت أنينٍ ينجر في طيات صراخ يسلب الأنفاس على قارعة طريق الحرية.

الحرية عتبة من لا باب له، وراية من لا جيش له، وحنين إليه تذهب قلوب أهل الثورة، يحكي عنها من يمنعوننا منها، ويحاصرنا لأجل منعها من الاقتراب من أبوابنا متشدقوها، يبغون منعنا من نيلها بعد أن ذقنا من حلاوتها بعضها، لعبوا بنار يريدون إطفاءها، تناسوا أن لنا عقولاً، وأننا في أقل الأحوال لسنا أدوات تحركها سلطاتهم أو تدفعها للانتحار أقلامهم.

عِشنا في ظل ربيع عربي تكسوه حلة الحرية وتعلوه هامات الديمقراطية، رايته مطالبة بحقوق المظلومين وإن كان الظالم يملك بين يديه سلطاناً أو حكماً أو رئاسة، عشنا وقد بلغت الآمال حدود المطلق وارتوت الصدور بعد ظمأ طويل من بئرٍ أغلقتها الديكتاتورية المتسلطة عقوداً طال معها الانتظار، عشنا ومِن حولنا دول العالم تعيش على سقف الدنيا ونحن باطن الأرض مفروض على أكثرنا، مجبرون على ألا نتنفس إلا بأمر أو بإذن، ولعل باطنَ الأرض حُبلى ببركان ثأرٍ ثار منه أقله، ولعل للبركان من عودةٍ ولعل العودة أحمد، ولعل الذي ظن أنه للبركان وثورته نهاية يُمهله الله بين يدي رجوعٍ أو اعتدال، فإما رجوعُ للحرية والحق أو بركان أراه قبل الثورة الآن لن يُبقي على ظهر الأرض موطئاً فيها إلا وقد ارتوت من الثورة، بل ولعل هذه السردية التي أسردها إن هي إلا أُمنية، ولعلنا لا نملك إلا الدعاء لرد قضاء أو للتعجيل بقضاء آخر به يتغير واقع مظلم.

يرد القدر دعاء يرفعه صاحبه لربه دون وسيط، وينتظر قضاء آخر على ما به يرغب أو إليه ترنو ما تتطلع أمانيه، ثم إنا بعد ربيعنا العربي الذي لم يتحقق من أمانيه الشيء القليل لا نملك إلا دعاءً متوسمين أنه قد يخرجنا من أزمتنا الحالية.

دعاء لا يرد القضاء؛ أفي الدعاء عيبٌ؟ أم في القضاء شِدة؟ أم أن العيب عيب من يدعو ويتطلع؟

ما قد يعتقده صاحب الدعوة بانجلاء ما نحن فيه من هزيمة اجتماعية أن قدرنا الحالي لن يتغير، أو أن العيب فينا أو هذا القدر شديد على دعائنا، لكنه من غير البديهي أن ندعو الله رهباناً ولا نعمل أو لا نأخذ بالأسباب التي بها وعليها يُعجل ربنا في رد قدرنا الذي فيه نعيش.

إن الذي فيه نعيش من ضيق وضنك وديكتاتورية متوحشة وأزمات على المستوى الاجتماعي والسياسي، وأخرى على الصعيد الأخلاقي، بل وعلى مستوى السيادة على الأرض والسماء، لا يمكن للدعاء على شِدته أن يصل لحل لهذه الأزمات من دون الولوج لحل على مستوى التوحد بين مناهضي الديكتاتورية وراغبي الحرية ومؤيدي دولتَي القانون والعدل.

قدرنا الذي لا يرده الدعاء في جوهره ضعيف يمكن لنا تغييره إن توحدنا في صف واحدٍ مرصوصٍ، مواجهين إياه بأساليب الثورة البيضاء دون الاعتماد على أي أحد غير أنفسنا، وأنفسنا فقط، بخلق ما إليه ترنو قلوب أهل الثورة من حريةٍ في الحد الأدنى فيما عليه نتفق فيما يَجمع قلوب أهل الثورة من دولة يحكمها قانون وعدل وحرية وتناقل للسلطة بشكل سلمي.

إن ما ترنو إليه قلوبُ أهل الثورة دولةُ فيها حريةُ تحكمها، دولةُ توقرُ أشد ما توقر دم الإنسان وعِرضه، وتحفظُ له كرامتهُ، تكفل له حريةَ العملِ والمسكنِ، تتكفل له بحريته في الوعي السليم غير المطموس، تؤهله للغد المنشود، تحافظُ له على حقه في تداولٍ مقبولٍ للمعلومات من غير تغييب لوعيه في ظلمات من جهلٍ وتخلف.

يرغبُ أهلُ الثورة في قدرٍ تتغير معه أحوال الناس إلى معيشة دون غلاء أو استغلال أو احتكار، وحريةٍ دون قيود لا تتعارضُ وما تعارف عليه الناسُ من تقاليد ودين، وعدالة اجتماعية تكفلُ مساواة بين الكبير والصغير أمام القانون والدستور.

قدرنا يغيره الدعاء على شرط الأخذ بأسباب التغيير، ولا تتغيرُ الأقدار بأناس جُل الذي يفعلون تأصيلُ المؤَصلِ وتسييسُ المُسيس، فضلاً عن تأطير المؤطر إلى غير ذلك من قوالبَ كلها جامدات.

لا نحتاجُ حين تغيير قدرنا لقوالب جامدات عفت الأزمانُ عليها، وإنما نحتاج في المقام الأولِ لإبداعاتٍ وتغييرٍ لأساسات تخلق جيلاً به وعليه نعتمدُ في تغيير الواقع المرير الذي تعيشه أوطاننا، لا نحتاج إلا لمنهجٍ رباني أصيل تكرر ترديده في كل محفلٍ وجمع، نحتاج لمنهجٍ أمرنا به ربنا "واعتصموا"، منهج عليه يمكن الاعتماد والتوحد، طريق أوله كان النصر ولعله إن كان لنا معه رجوع ننتصر، فالثورات لا ينصرها حزب، وإنما ينصرها وطن اجتمع أفراده كي ينصروه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.