المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. أحمد قطشة Headshot

سؤالُ الشغف البسيط

تم النشر: تم التحديث:

عندما بدأ آدم ستيلتزنر Adam Steltzner حياته لم يكن يعرف ماذا يريد أن يفعل. أنهى المدرسة الثانوية، وكان خائفاً أن يعود ليأخذ شهادته لأنه يخشى أن يكون قد رسب ولم ينجح، ويقول أن مدرس الرياضيات أعطاه علامة النجاح فقط ليتخلص منه.

بكل المقاييس الممكنة كان فاشلاً في الدراسة الثانوية، وأخبره والده أن المجال الوحيد الذي قد يفلح فيه هو أن يكون سائق جرافة! كان يحب أن ينظر للسماء في الليل، وانتبه أنه وعلى مرّ الليالي كان موقع النجوم يختلف، ولم يعرف لماذا! (لم يتذكر أن الأرض تدور مثلاً!).

ونظراً لأن السؤال أزعجه، قرر التوجه لكلية مجتمعية وبدأ يأخذ مادة في الفلك. من هناك اكتشف أن لديه موهبة في الرياضيات والفيزياء، وأحب الموضوع وقرر أن يتابع دراسته الجامعية، وصولاً لشهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية عن المحركات النفاثة في السفن الفضائية! ثم عمل في ناسا، وتطور في عمله وصولاً لقيادة الفريق الذي طور وأشرف على عملية هبوط المركبة كوريوستي على سطح المريخ في العام 2012!

الفتى الذي وصف نفسه أنه كان يدرس الجنس والروك آند رول والمخدرات في الثانوية، وصفته مجلة ناتشر أنه واحد من أهم عشرة علماء في العالم في العام 2012.
******

في كثير من الأحيان، نسقط ضحايا لنظام التعليم المحيط بنا؛ لأنه يقرر كيف ننجح. ليس فقط نظام التعليم، لكن حتى المجتمع نفسه.

يقرر المجتمع ما هو الشكل الأنسب للنجاح، ثم يبدأ بمحاكمة الأفراد بناء على ذلك الشكل! يسقط كثير منا في الفخ، وشيئاً فشيئاً تختفي روح المقاومة وننتظم في هذا المجتمع، ونعتد بمعاييره، ونبدأ نحاكم غيرنا بنفس الطريقة.

ننسى أن النجاح لا يأتي على شكل دفعة واحدة ضخمة، بل هو تراكمٌ لنجاحات صغيرة وبسيطة عبر مدة طويلة من الزمن. حياتك تتحدد بالقرارات الصغيرة تلك وكل واحد منها سيقود للآخر.

لكن حتى تصل للمحطة القادمة، ستجرب الفشل مئات وألوف المرات، سيرى الناس نجاحك ويحسدونك عليه، لكنهم لن يعرفوا كم مرة فشلت وتراجعت، وكم مرة قررت أن تترك كل ذلك وتفعل شيئاً آخر. قلة منهم تعرف ذلك، وقلة أقل تقدر ذلك. كل ذلك ليس مهماً، المهم أنك تعرف ذلك، والأكثر أهمية أن تعرف أن هناك من ساعدك لتنجح، وأن لا تنكر فضله.
*******

اعترف بأن خيار أن تجرب قبل أن تقرر لتكتشف نفسك هو شيء مفقود لدينا للآسف. لا نملك هذا الترف، لا تساعدنا ظروفنا على ذلك. لا يعني ذلك ألا تبحث ولا يعني أيضاً أن تمضي حياتك كلها وأنت مازلت تقرر ماذا تريد أن تفعل، أو أنك تبحث عن "شغفك" ( لدي مشكلة مع المفهوم بشكل عام). هناك خيط دقيق بين الطرفين، وفي كثير من الأحيان نفشل في رؤيته.

ليس بالضرورة أن يكون الشغف لديك شيئاً واضحاً، واحذر من أن تتبع شغف الآخرين، ذلك المغلف بطبقة لماعة رقيقة من الصور الجميلة والعبارات المنمَّقة والكلمات الطنانة على مواقع التواصل.

شغفك قد يبدأ بسؤال بسيط، لكن عليك أن تأخذه بجدية، تماماً كما فعل آدم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.