المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد جرار Headshot

"جهاديو" أوروبا.. نظرة من الضفة الأخرى للمتوسط

تم النشر: تم التحديث:

رغم تأكيد الشرطة الإسبانية أنها قتلت واعتقلت كل المتورطين في حادثة الدهس الدموية في مدينة برشلونة، التي وقعت قبل نحو ثلاثة أسابيع، فإنني على يقين بأن متورطاً آخر بالحادثة وقد يكون العقل المدبر لها لا يزال طليقاً، وقد يبقى خارج الصورة لسنوات طويلة، ولا أعتقد أنه حتى منفّذي الهجوم أنفسهم يعرفون هويته الحقيقية.

ليس للأمر علاقة بنظريات المؤامرة بقدر ما هو محاولة لقراءة ظاهرة "جهاديي" أوروبا - المركّبة والمعقدة - من زاوية مختلفة أملاً في فهم عملياتهم الدموية التي تنتهي خيوطها عادة بمقتل كل المتورطين بها دون الإحاطة بشكل كامل بالظروف التي دفعت شباناً وُلدوا بالغرب، وقد يتلعثم بعضهم في قراءة سورة الفاتحة، للبحث عن "جنّة" بين دماء وأشلاء المدنيين الذين عاشوا بينهم لسنوات طويلة.

الفرضية التي سأنطلق منها هي كالتالي

إن ظاهرة "جهاديي" أوروبا تتغذى على ثلاث دوائر رئيسية تساهم منفردة وأحياناً مجتمعة في إنتاج "جنود الخليفة":

الأولى: أجهزة الاستخبارات الغربية، الثانية: تيارات اليمين المتطرف وسماسرة "الإسلاموفوبيا"، والثالثة المجنِّدون الإلكترونيون من وراء الحدود والبحار.
وقبل أن أبدأ بسرد المبررات التي دفعتني لتبنّي هذه الفرضية سأحاول أن أقدم تمهيداً موجزاً لهذه الظاهرة.

إذ يمكن القول بأن عسكرة الثورة السورية وتحولها من النضال السلمي إلى السعي لإسقاط نظام بشار الأسد بالقوة بسبب وحشيته، إضافة إلى قمع الحراك الشعبي السّنّي في العراق كان النواة الأولى التي مهّدت لظهور الجيل الجديد من جهاديي أوروبا؛ حيث شهد صيف عام 2012 بداية توافد أشخاص قادمين من أوروبا للقتال في صفوف الجماعات المسلحة على الأرض السورية والعراقية، وباستثناء أعداد محدودة من أصول سورية سعوا للقتال تحت مظلة الجيش السوري الحر، فإن غالبية القادمين عبر المتوسط التحقوا بتنظيمات السلفية الجهادية التي كانت على الدوام الأكثر جذباً لهم؛ لكونها تنظيمات عابرة للحدود وللهويات الوطنية.

وتسبب صعود تنظيم الدولة وتمدده المباغت في سوريا والعراق بحالة من الطفرة في أعداد المقاتلين الأجانب الذين جذبتهم عملياته الدموية وتسجيلاته المرعبة أكثر مما جذبهم جوهر القضايا التي يقاتل من أجلها خلافاً لما كان عليه الأمر في الجيل الأول الذي قاتل تحت ظل تنظيم القاعدة في العراق.

بحسب إحصائيات صادرة عن مراكز دراسات أمنية أوروبية، فإن أعداد الذين التحقوا بالتنظيم قادمين من أوروبا بلغت نحو خمسة آلاف مقاتل، من بينهم مئات ممن اعتنقوا الإسلام حديثاً، أي أنهم كانوا منتجاً أوروبياً خالصاً هوية وثقافة ولغة.

وتكشف الدراسات أن العدد الأكبر من هؤلاء جاء من أربعة بلدان رئيسية هي بلجيكا -التي تعد المنبع الأول "لجهاديي" أوروبا قياساً على عدد سكانها وعلى نسبة المسلمين فيها- إضافة إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

في حين كان التطور الأخطر في هذه الظاهرة بقيام تنظيم الدولة أو "مَن يدّعون تمثيله في الفضاء الإلكتروني" بشن عمليات داخل الأراضي الأوروبية، إما عبر العائدين من سوريا والعراق أو عبر المجندين الجدد ممن لم يتمكنوا من الوصول "لأرض الخلافة".

وعودة لفرضيتي أعلاه، فإن هذا التطور ما كان له أن يكون على هذه الشاكلة لولا تضافر تلك الدوائر - أجهزة الاستخبارات الغربية، وتيارات اليمين المتطرف وسماسرة "الإسلاموفوبيا" والمجنِّدون الإلكترونيون من وراء الحدود والبحار - في تغذيتها بقصد مباشر أو بدونه.

تقصير أم تواطؤ ؟

فالتدقيق في هويات كثير من منفّذي العمليات يكشف مثلاً أنهم كانوا في الغالب تحت رقابة الأجهزة الأمنية في بلدانهم بل إن تجنيد بعضهم لصالح التنظيم تم تحت أعين تلك الأجهزة وداخل سجونها حين كانوا يقضون عقوباتهم بها لأسباب جنائية، فكيف تمكن هؤلاء من الحصول على جوازات سفر والتحرك بحرية والسفر والتنقل من وإلى أوروبا بل وتجهيز عمليات ضخمة استخدمت فيها كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات؟!
فهل الأمر مجرد تقصير واستغلال للثغرات الأمنية؟
أم أن هناك دوائر أمنية غضت الطرف عنهم وتعاملت معهم على أنهم عبء أمني وقنابل موقوتة من مصلحتها أن تغادر البلاد فسهلت عملية خروجهم إلى سوريا والعراق على أمل أن يقتلوا هناك "وتستريح منهم" دون أن تأخذ بالحسبان إمكانية عودتهم.

فرغم أن النسبة الأكبر من العائدين هم من أولئك الذين انتهى في نفوسهم سحر التجربة بالانضمام بالقتال في صفوف "جنود الخليفة"، إلا أن التقديرات تشير إلى أنه من بين كل تسعة عائدين هناك شخص فكّر أو شارك بتنفيذ عمليات ضد البلد الذي يحمل جنسيته.

فضلاً عن أنني لا أستبعد وجود رجال أمن - وباجتهاد فردي - ساهموا بشكل أو بآخر في نجاح بعض العمليات الدموية لقناعتهم بأن "المواطن المسلم" هو خطر أمني ولا يمكن إقناع المؤسسة الأمنية بالبلاد بضرورة طردهم ومنعهم من دخول بلادنا دون سقوط ضحايا فمهما كان الثمن في هذه الحالة فهو أهون من تمددهم على أرضنا.

فتِّش عن المستفيد الأول

جرت العادة ومع كل جريمة أن يكون المشتبه الأول هو المستفيد الأبرز من وقوعها؛ لذا وقياساً على المكاسب التي حققها تيار اليمين المتطرف في أوروبا في السنوات الثلاث الماضية، فإنني لا أستبعد تورط غلاة العنصريين الأوروبيين وسماسرة ظاهرة الإسلاموفوبيا - في تلك العمليات وبشكل مباشر وغير مباشر لا سيما أولئك الذين يشعرون بخطر وجودي على ما يعتبرونه "الهوية المسيحية" "والعِرق الأبيض" داخل أوروبا مع تنامي أعداد المسلمين على أرض القارة العجوز، لا سيما مع موجات اللجوء المتتابعة.

فهم يدركون أن الأثر الذي قد تتركه عملية طعن واحدة على مزاج المواطن الأوروبي ومواقفه من الإسلام والمسلمين ونظرته للمهاجرين واللاجئين حتماً سيكون أبلغ من مئات التظاهرات والندوات والوقفات الاحتجاجية التي كان يمكن تنظيمها وعلى مدار شهور طويلة.

في حين أن الأثر قد يكون له نتائج حاسمة أكبر في حال تزامنه مع استحقاق انتخابي كما حصل ولأكثر من مرة في فرنسا على سبيل المثال.

طبعا لا أقول إن أفراداً من اليمين المتطرف هم مَن ينفذون مثل هذه العمليات ثم ينسبونها لمسلمين، لكن أرجح قيامهم بدور العقل المدبر والداعم اللوجيستي لهذه العمليات عبر تجنيد أشخاص يعتقدون أنهم ينفذون أوامر قادة بتنظيم الدولة.. ما يقودنا هنا إلى الدائرة الثالثة.

تجنيد بلا حدود

وهم أولئك الذين يختارون مجنَّديهم عبر الفضاء الإلكتروني لتوجيههم لاحقاً لتنفيذ الهجمات الدموية على الأرض التي وُلدوا وعاشوا فيها وتعلموا لغتها وثقافتها، ومع يقيني بأن بعض هؤلاء المُجِّندين ينتمون حقاً لتنظيم الدولة فإنني أجزم بأن هناك آخرين ينتحلون هوياتهم ويقومون بذات الدور لصالح أجهزة أمنية عربية من مصلحتها توسيع هذه الظاهرة لتوظيفها لاحقاً في خدمة أجندتها الداخلية والخارجية ضد معارضيها وخصومها السياسيين، ولتسهيل مهمتها أمام الغرب بإقناعه أن دعمه لمطالب شعوبهم بالحرية ومحاربة الفساد سيجعلها تدفع الثمن من دماء مواطنيها، فضلاً عن تسويق نفسها كشريك مهم في محاربة "الإرهاب" رغم أن هذه الأنظمة قد تكون أول صانعيه وداعميه.

أو ربما يكون التجنيد لصالح أجهزة أمنية غربية أو حتى "إسرائيلية" لها قائمة طويلة من المنافع التي يمكن أن تجنيها من إقدام مسلمين يحملون جنسيات أوروبية بقتل وذبح وتمزيق أجساد مواطنيهم في عمليات دموية يتفاخر دوماً تنظيم الدولة في تبنيها.

بحيرة الساخطين والمحبطين

لكن من أين يصطاد كل أولئك ضحاياهم؟ برأيي أنهم جميعاً -تنظيم الدولة، أجهزة الأمن العربية والغربية، تيارات اليمين المتطرف، سماسرة الإسلاموفوبيا- كلهم يصطادون من ذات البحيرة.. بحيرة الساخطين والمحبطين.

فما هي يا ترى المواصفات التي تجعل بعض الشباب ضعيفي الحصانة أمام الطعم الذين يرميه أولئك "الصيادون"؟

من خلال قراءتي لقصص العديد من هؤلاء "الجهاديين" فإن النقاط المشتركة الأبرز بينهم كانت على النحو التالي:
• غالبيتهم الساحقة وقبل ظهورهم المفاجئ في سوريا والعراق أو قبل الكشف عن تورطهم بهجمات لصالح التنظيم في أوروبا لم يعرف عنهم مطلقاً الالتزام الديني، وغالبيتهم ممن كانوا يعيشون الثقافة الغربية بكل تفاصيلها، وربما كانوا من رواد الملاهي الليلية، وأيضاً ممن تورطوا في قضايا جنائية مثل السطو والسرقة وتعاطي وبيع الحشيش والمخدرات.

لذلك كان القفز داخل دائرة تنظيم الدولة بالنسبة لهم بمثابة صيغة للتطهّر من الدنس الذي كانوا يعيشون فيه، وبعضهم ربما كان لينتحر ببساطة معاناته من الإحباط والفشل والكآبة لكن ولكونه مسلماً يعرف أن الانتحار حرام شرعاً فأراد على ما يبدو انتحاراً على الطريقة الإسلامية... انتحاراً لا يقود إلى النار بل إلى الجنة.

إذ يرى العالم الفرنسي المتخصص في شؤون التطرف والراديكالية أوليفييه روي أن الجهاديين يستطيعون بهذه الطريقة "إعادة تفسير عَدَمِيَّتِهم في الوعد بالجنة. انتحارهم يتحوَّل إلى ضمان الحياة الكاملة"، ويضيف "أنّ هؤلاء الشباب ليسوا من الأمة الإسلامية. ولا توجد لدى معظمهم أية ثقافة دينية، ونادراً ما كانوا يذهبون إلى المساجد. وجميعهم تقريباً كانوا مجرمين صغاراً. وكانوا يشربون الكحول ويتعاطون المخدرِّات".

إننا أمام "نينجا جدد للإسلام"، كما يطلق عليهم الفيلسوف رافائيل ليوجيي، والذين "غالباً ما وصلوا إلى الجهاد عن طريق الجريمة"، يشير ليوجيي: "أغلبيتهم من أصول لا تُعرَف عنهم مُيولٌ نحو التديّن، يأتون إلى الجهاد من أجل منح أنفسهم بروفايل بطولة، وأثناء تدربهم على الجهاد يقومون بتبنّي تبرير أصولي لاحقاً".

• جميعهم تقريباً من الجيل الثالث من المهاجرين، أي أنهم ممن ولد آباؤهم في أوروبا وعلاقتهم تكاد تكون معدومة ثقافياً ولغوياً مع بلادهم الأم؛ لذلك يمكن وصفهم بضحايا الهويات القاتلة... فهم في لحظة ما عجزوا عن أن يكونوا فرنسيين أو بريطانيين وعجزوا أيضا عن أن يكونوا جزائريين أو مغربيين أو تونسيين فوجدوا في الصيغة التي يقدمها تنظيم الدولة حلاً وبديلاً عن أزمتهم.

أي أنني مسلم فقط وأنتمي "للدولة الإسلامية"؛ حيث يرى أوليفييه روي بأن معظم الجهاديين "مولودون من جديد"، أي أنهم يكتشفون في الإسلام الراديكالي معنًى جديداً للحياة، في حين تعتقد إنغريد ميرك أن تنظيم الدولة أصبح الملاذ الأخير لكلّ اليائسين الذين يشعرون ألا هوية لهم أو الذين يبحثون عن البطولة وعن انتماء ما، أو عن مثال أعلى وترى أن التنظيم يحصد بشكل انتهازي، هؤلاء المجندين حديثي العهد الذين يعلنون عن ولائهم من دون أن يكون التنظيمُ بحاجة إلى تجنيدهم.

• الغالبية الأكبر هم من المتحدثين باللغة الفرنسية وغالبيتهم الساحقة لا يعرفون اللغة العربية، ومن اللافت أن فرنسا وبلجيكا هما الدولتان الأوروبيتان الوحيدتان اللتان قامتا بتحريم وتجريم النقاب، وهناك دراسة اعتبرت أن القيم العلمانية واللادينية التي ترتكز عليها الثقافة الفرنكوفونية هي التي تنتج النسبة الأكبر من المتطرفين، فضلاً عن أن غالبيتهم هم من أصول مغاربية - جزائرية ومغربية وتونسية - وهي بلاد سبق أن استعمرت من فرنسا.

• غالبيتهم ممن عاشوا داخل بلدانهم الأوروبية فيما يشبه الجيتو، أي في أحياء معزولة عن محيطها فعاشوا على أطراف وهوامش الرفاهية الأوروبية دون تذوقها وممن تعرضوا للمعاملة القاسية من الشرطة؛ حيث يعيش معظمهم في مناطق وأحياء تترفع فيها نسب الفقر والبطالة، في حي مولينبيك الذي خرج منه منفذو هجمات باريس الدموية ترتفع نسبة البطالة بين الشباب من أصول مغاربية، مثلاً إلى نحو 50% ما قد يكشف فشل الحكومات الأوروبية في عملية دمجهم وزرع هوية وطنية بداخلهم.

ولعل قيام بعضهم بحرق جواز سفره بمجرد انضمامه لتنظيم الدولة يكشف سعيه لإحداث حالة من القطيعة مع العالم الذي عاشوا فيه.

• يندر بين جهاديي أوروبا وجود مَن قطعوا شوطاً طويلاً في التعليم العالي أو ممن كانوا يعملون في وظائف ذات دخل مرتفع؛ حيث كشفت دراسة صادرة عن مؤسسة الملك بودوان مثلاً أن البلجيكيين من أصول مغاربية هم الأقل حصولاً على فرص العمل - حتى من بين حملة الشهادات الجامعية - والأكثر تعرضاً للتمييز العنصري.

• غالبيتهم من الجيل الذي تفتحت عيونه على العالم مع صعود الإعلام الجديد والهوس بوسائل التواصل الاجتماعي، وحيث ساهمت سهولة تبادل الصور والروابط والتغريدات ومتابعة إصدارات تنظيم الدولة في جذبهم وتجنيدهم.

ملاحظة أخيرة :

لكن ورغم كل ما سبق، فإنني أعتقد أنه لم يكن من السهل إقناع أي إنسان بالانتماء إلى تنظيم مثل تنظيم الدولة، وتنفيذ عمليات بالغة الدموية لصالحه لولا مشاهد القتل والمجازر وأخبار الانتهاكات المروعة وعمليات الاغتصاب والتنكيل التي يشاهدها يومياً في سوريا والعراق؛ إذ إنها توفر برأيي مدخلاً مهماً وأساسياً بإقناع مثل أولئك الشباب بما يمكن وصفها بمظلومية المسلمين "السّنّة"، وكيف أن الجميع اجتمعوا عليهم ولا يوجد سوى تنظيم الدولة مَن يثأر وينتقم لدمائهم وأعراضهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.