المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد جرار Headshot

بين انقلابين.. لماذا نجح انقلاب العسكر في مصر وفشل في تركيا؟

تم النشر: تم التحديث:

رغم كل الانتقادات التي وجهت للرئيس المصري المعزول محمد مرسي، لكن أياً منها لم يتهم الرجل بالجبن؛ حيث يشهد له بأنه واجه الانقلاب الذي قاده عليه وزير دفاعه عبدالفتاح السيسي بكل شجاعة، ورفض أن يستسلم، وأصر حتى اللحظات الأخيرة على أن يدافع عن الشرعية حتى لو كانت حياته ثمناً لذلك، وانتهى الأمر به سجيناً يواجه أحكاماً بالإعدام والسجن المؤبد.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو أيضاً قرر مواجهة المحاولة الانقلابية التي قادتها مجموعة من الجنرالات بشجاعة، ورفض الهروب أو الاستسلام، لكن المشهد هناك انتهى بقادة الانقلاب خلف القضبان يواجهون تهمة الخيانة العظمى للدولة.

فلماذا نجح انقلاب العسكر في مصر وفشل في تركيا؟

برأيي فإن خمسة فروق رئيسية أسهمت وبنسب متفاوتة في هذه النتيجة:

أولاً: غياب الظهير الشعبي لانقلابيي تركيا

كان لافتاً ومنذ المؤشرات الأولى لتعرض تركيا لمحاولة انقلابية غياب أي مظاهرة شعبية مؤيدة لها، فلم يخرج أحد يهلل للعسكر ويبارك انقضاضهم على السلطة المنتخبة في البلاد، حيث حسمت معركة الشارع، ومنذ اللحظات الأولى، لصالح أنصار الشرعية الذين واجهوا بكل صلابة دبابات الانقلابيين وبنادقهم، وبدلاً من حملهم على الأكتاف، كما حصل في مصر، كان يلقى بهم نحو سيارات الاعتقال التابعة للشرطة، وعجزت كثير من وسائل الإعلام المباركة للانقلاب، لا سيما في القاهرة ودمشق وعواصم عربية أخرى، عن إظهار أي صورة لتركي فرح بالانقلاب.

في مشهد يختلف وبشكل جذري للصورة التي كانت عليها شوارع وميادين في القاهرة والإسكندرية وغيرها من المدن المصرية ليلة الثالث من يوليو/تموز 2013، حيث نجح العسكر، ومن خلفهم الدولة العميقة ومن تحالف معهم من قوى سياسية وشعبية كارهة للإخوان، في ضخ حشود من الجماهير نحو ميدان التحرير وغيره، لإقناع العالم أن ما يجري ثورة وليس انقلاباً.

ورغم الكلام الكثير الذي قيل لاحقاً حول تلك الحشود وكيف تم جمعها وصناعتها، فإن الثابت أن الانقلاب العسكري تم في مصر وهناك جماهير في الشوارع تطبل وتزمر بل وترقص له.

ثانياً: أردوغان لم يواجه الانقلاب وحيداً

من المعلومات المهمة التي تكشفت حول الانقلاب الفاشل في تركيا أن أجهزة أمنية سيادية كان لها دور مهم وبارز في إفشاله، لا سيما جهازي المخابرات والشرطة الخاصة، حيث تمكنت المخابرات من معرفة المخطط الانقلابي قبل أن يتم البدء بتنفيذه على الأرض، وقامت بتحذير الرئيس، كما كان لقوات الشرطة الخاصة الدور الأهم على الأرض في مواجهة عساكر الانقلابيين واعتقالهم، حيث لم تخفهم الرتب العالية المتورطة في المحاولة الانقلابية، وتعاملوا معهم بكل صرامة، وكان لصورهم بزيهم المدني وهم يخضعون الجنود بالزي العسكري ويعتقلونهم وقع كبير على الجماهير التي كانت تواجه الانقلاب في الشوارع.

في المقابل، فإن مرسي كان وحيداً في مواجهة الانقلاب، فلقد تحالفت كل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية على إفشاله وإسقاطه والانقلاب على حكمه، بمن فيهم أفراد الحرس الجمهوري الذين كان يفترض بهم حمايته، فضلاً عن أن المعلومات كشفت لاحقاً كيف كانت تلك الأجهزة ترسل له تقارير مضللة، وأنها كانت وراء ظهور حركة تمرد.

وحين حانت لحظة الانقلاب، لم يجد مرسي جندياً واحداً يدافع عنه، وحتى بعد الانقلاب لم تخرج شخصية عسكرية أو أمنية رفيعة لتستنكر الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب في البلاد.

ثالثاً: نزاهة المعارضة التركية

من منا ينسى جبهة الإنقاذ في مصر ودورها في تغطية ودعم الانقلاب، حين فضلت وأد التجربة الديمقراطية الوليدة بحذاء العسكر على بقاء الإخوان بالسلطة، ورفض رموزها آنذاك حمدين صباحي ومحمد البرادعي وغيرهما حتى مجرد الحوار مع مرسي، وكانوا يعتقدون أن العسكر سيطيحون بالإخوان ثم سيقدمون لهم كعكة السلطة على طبق من ذهب، فضلاً عن دور حزب النور السلفي الذي تحرم أدبياته الخروج على ولي الأمر، لكنه مع ذلك شارك بالانقلاب، ومكّن العسكر من إضافة وجوه ملتحية لمشهد الانقلاب.

في تركيا ورغم ما بين حزب العدالة والتنمية وخصومه في المعارضة من علمانيين وقوميين بل وحتى أكراد من خلافات حادة، ومن حروب كلامية، ومن اتهامات لأردوغان بالهيمنة على السلطة، التي بلغت ذروتها خلال انتخابات الرئاسة والبلدية والبرلمان الأخيرة، فإن ذلك لم يبرر لهم ولو للحظة مساندة خطوة العسكر، حيث سارعوا وحتى قبل أن تتضح هزيمة الانقلابيين على الأرض إلى رفض الانقلاب الذي رأوا فيه تهديداً للدولة وللديمقراطية ومؤسساتها المنتخبة، وليس تهديداً لأردوغان وحزبه، وواجه نواب الشعب الجمهوري والحركة القومية، جنباً إلى جنب مع نواب حزب العدالة والتنمية، طائرات الانقلابيين وهي تقصف مبنى البرلمان.

رابعاً: الانقلاب التركي كان دون أذرع إعلامية

كشف لجوء الانقلابيين في تركيا إلى احتلال مبني التلفزيون الرسمي TRT وإجبار المذيعة تيجان كيراتش على تلاوة البيان رقم واحد، في محاكاة بائسة لانقلابات السبعينات، عن رؤية قاصرة وساذجة لدور الإعلام اليوم، ومدى التطور الذي أصبح عليه؛ حيث قلب اتصال واحد لأردوغان عبر تطبيق فيس تايم المجاني مجرى الأحداث، وأفسد مخططات الانقلابيين، في حين لجأ كثير من قادة البلاد إلى وسائل التواصل الاجتماعي لحث الشعب على إفساد الانقلاب ومواجهته، ولم يجد الانقلابيون أي وسيلة إعلامية ذات شأن في طول البلاد وعرضها تروج لانقلابهم... باللغة التركية على الأقل.

أما في مصر، فكان المشهد مختلفاً تماماً، حيث كانت وسائل الإعلام في أغلبيتها الساحقة منخرطة تماماً في المحاولة الانقلابية وبوقاً لها، بما فيها التلفزيون الرسمي، ومارست دوراً كبيراً في تهيئة الشارع المصري للانقلاب، عبر تحريض فج ومكثف على الرئيس مرسي وجماعة الإخوان، وعلى مدار عدة أشهر نجحت خلالها في شيطنته وتشويهه، لدرجة بات يشعر معها شرائح عدة داخل المجتمع المصري بأن الانقلاب على الرئيس المنتخب هو إنقاذ للبلاد من مصير أسود ومحتوم.

في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام المؤيدة للرئيس وللإخوان ضعيفة، وذات تأثير محدود.

خامساً: نجاح النخبة التركية في امتحان الديمقراطية

ما إن تأكد أن ما يجري في تركيا محاولة انقلابية مكتملة الأركان، حتى سارعت النخبة التركية بإدانته، وتبارى المثقفون والكتاب والفنانون ونجوم الكرة بالتنديد به، والتأكيد بأنهم لن يكونوا شهود زور على مصادرة خيار الشعب، وإعادة البلاد إلى عصر الانقلابات، وقمع الحريات، ومن أبرزهم الممثل الشهير نجاتي شامشاز، صاحب شخصية مراد علم دار في مسلسل وادي الذئاب، ومراد يلدريم، والروائية إليف شافاق، صاحبة رواية "قواعد العشق الأربعون"، وغيرهم كثيرون.

في المقابل، فإن النخبة المصرية سقطت بامتحان الديمقراطية، ولم يجد الرئيس مرسي شخصيات بعدد أصابع اليدين تندد بسحق إرادة الشعب بأحذية العسكر، بل مارس بعضهم دوراً في التهيئة للانقلاب والترويج له، عبر المقالات والمظاهرات، وصولاً لأعمال فنية وغنائية مدفوعة الأجر من العسكر، وأبدى كثيرون منهم الشماتة والابتهاج بالمجازر والانتهاكات البشعة التي مورست ضد الإخوان وأنصار الشرعية في أعقاب الانقلاب.

خاتمة

لكن يجدر القول هنا إن المحاولة الانقلابية في تركيا جاءت بعد نحو ثلاثة عشر عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية، تمكن خلالها الحزب من تقديم نفسه وتجربته للمواطن التركي الذي شعر بالكثير من المكاسب، خلال هذه الفترة، لا سيما من الناحية الاقتصادية، وتطور القطاع العام والبنى التحتية، فضلاً عن الحريات ومكافحة الفساد، أي أن المواطن العادي كان يدرك عندما خرج لمواجهة الانقلاب أنه سيخسر الكثير من المكاسب التي تحققت خلال سنوات حكم العدالة والتنمية في حال استتب الأمر للعسكر، وهو الأمر الذي لم يتحقق مطلقاً للرئيس مرسي أو لجماعة الإخوان في مصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.