المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد جرار Headshot

منبع الخراب.. نحو قراءة جديدة لأحداث اجتياح الكويت عام 1990

تم النشر: تم التحديث:

كلما حاولت أن أبحث عن الجذور الحقيقية لكل هذا الخراب من حولنا، أجد نفسي منساقاً لفكرة غريبة وربما مجنونة، بأن كل ما نشهده اليوم قد بدأت شرارته الأولى في الثاني من أغسطس/آب عام 1990، أي أننا ندفع جميعنا حتى اليوم ثمن الاجتياح العراقي للكويت، الذي حصل في ذلك التاريخ.

لنعًد قليلاً إلى الوراء، إلى المشهد في المشرق العربي قبل ذلك اليوم بأشهر قليلة، كان العراق حينها بأوج قوته، وكان جيشه قد خرج شبه منتصر من معركة قاسية وطويلة مع إيران، وقف العرب فيها - باستثناء سوريا حافظ الأسد - خلف الجيش العراقي الذي كان يوصف حينها بحامي البوابة الشرقية، وكانت العلاقة بين بغداد ودول الخليج جيدة جداً.

وكانت الانتفاضة الفلسطينية أيضاً في قمة عنفوانها، وكانت تصلها تبرعات لا محدودة من فلسطينيي الخليج ومن الخليجيين أنفسهم، وكان الأردن يعيش أزهى تجاربه الديمقراطية.

جاء الاجتياح، انقسم العرب، وأصبحت هناك فجوة عميقة بين الخليج وجارتهم العراق، خلال الأشهر الأولى من الاجتياح بدا واضحاً أن هناك من يعمل على إفشال أي حل سياسي، ولإدراكهم طبيعة شخصية صدام عملوا كل ما هو مطلوب؛ لكي يصر على البقاء في الكويت.

بدأت الجيوش الأجنبية تصل إلى جزيرة العرب، وبدأت أطراف تنفخ بالجيش العراقي وإقناع شارع عربي عريض بأنه قادر على هزيمة تلك الجيوش.

جاءت الحرب ودمر العراق، واستنزفت ثروات المنطقة، الكل دفع ثمناً قاسياً، الأنظمة والشعوب، لم يستفد من تلك الحرب سوى "إسرائيل" و"إيران"، إضافة إلى نظام حافظ الأسد، الذي تمكن يومها من مقايضة الأميركان، بالمشاركة في عاصفة الصحراء مقابل السماح للطائرات السورية بالتحليق مجدداً في سماء لبنان وحسم المعركة ضد خصومها هناك؛ ليأتي بعدها اتفاق الطائف، الذي كرس هيمنة سوريا وحلفائها في لبنان.

من انحازوا لصدام وجدوا أنفسهم في عزلة وخيبة كبيرة، زاد من وطأتها ما جرى من ترحيل لرعاياهم في دول الخليج، في حين كان الثمن الأقسى من ذلك المشهد ما جرى مع فلسطينيي الكويت على وجه الخصوص.

يومها قرر النظام الدولي مقايضة تلك الأنظمة، فك العزلة مقابل الذهاب إلى مدريد للانخراط بما سمي عملية السلام في الشرق الأوسط، ومن رحم تلك الأيام جاء مشروع أوسلو الذي كان له نتائج كارثية على القضية الفلسطينية ناهيك عن إجهاض الانتفاضة، في حين انتكست الديمقراطية الأردنية مع قدوم معاهدة وادي عربة، وأصبح العراق وحيداً، وبدأت رحلة طويلة من حصاره، وقتله ببطء، وجعل حياة الناس هناك قاسية ومتعبة حتى تتقبل لاحقاً منطق أن الحل الوحيد لتغيير الحال نحو الأفضل لن يكون إلا بإزالة نظام صدام.

كما تسبب وجود القوات الغربية في الجزيرة العربية في ظهور أولى بوادر ما عرف لاحقاً بالسلفية الجهادية، التي كان من أول شعاراتها "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، ومن رحم السلفية الجهادية خرج تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن، الذي نفذ لاحقاً هجمات سبتمبر/أيلول 2001، التي استعملت لاحقاً كمبرر لغزو العراق مجدداً، واحتلاله، وتسليمه لقمة سائغة لإيران وميليشياتها، وأن هذا الاحتلال الذي خدم إسرائيل وإيران مجدداً هو الذي أطلق المشاريع الطائفية والدموية من القمقم، حتى وصلنا لما نحن عليه.

لذلك قد يجب قراءة ذلك اليوم مرة أخرى وبطريقة مختلفة؛ لنعرف من الذي حرض صدام وأقنعه بصوابية اجتياح بلد عربي، وهل الفكرة نبعت من رأسه فقط؟ ومن الذي صب النار على الزيت في الخلاف العراقي الكويتي آنذاك حول بئر النفط الحدودية، وعن دور واشنطن الحقيقي في تلك الأزمة، وهل حقاً أعطت السفيرة الأميركية آنذاك إبريل غلاسبي صدام الضوء الأخضر عبر سفيرتها في بغداد آنذاك، واستدرجته للفخ، والإيحاء له بأنهم لن يتدخلوا في "أزمة عربية - عربية"، وذلك لرغبتها في إعادة صياغة المنطقة وفق مصالح تل أبيب وضمان التحكم بمنابع النفط وتحطيم الجيش العربي الأقوى آنذاك؟ ربما فمهما قلت فإنها تبقى نظرية مجنونة، وبحاجة للمزيد من البحث والدراسة والتحليل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.