المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد إسماعيل Headshot

لا تظلموا "عواد"

تم النشر: تم التحديث:

في أوبريت "عواد باع أرضه"، تأليف الرائع مرسي جميل، لن تجد أي لبس أو غموض في الأمر، بل لن تجهد نفسك كثيراً وتستطيع إذا أردت، أن تختلق أو تجد عذراً لعواد في بيعه للأرض.

عواد ناقم على الأرض يرى -أو هكذا صورت له نفسه- أن ما يجنيه من الأرض لا يساوي تعبه وشقاءه فيها، فيعترض على مدح ابن عمه لها، مبرراً سخطه عليها بأنها لا تعطيه إلا "اللقمة، والهدمة" ثم أنه غير متزوج ويائس وغير متفائل بالغد.

عواد لم يتخذ قراره ببيع الأرض عن نية مبيتة، أو حاول أن يخدع أهله ويوهمهم، هو فقط ناقم عليها، مهمل لها، ويجد سلواه في القهوة "حيث رقص الغزية" ومن خلال حديثه مع سليم ابن عمه تستنتج أنه كان ماهراً في عمله متقناً له، ففي حديثهما تجد سليم متعجباً من حاله متسائلاً "فين عواد اللي الفأس كانت بتزغرد في إيده؟! متعجب من حالته المستجدة.

وهذا إن دل يدل على أنها حالة عرضية، ربما كان يشفى وتذهب عنه إن استمع لابن عمه أو تعرض لأزمة أحوجته لما كان يجنيه في وقت جده في رعاية الأرض ولم يدرك قيمته، أو استقرت الغزية "وهيبة" في القهوة فمل وشبع وانصرف عنها، أو انصرفت عنه، أو لم تسافر لمولد سيدي الغريب، أو أسعفه القدر ولم يسمع من الزبائن بأمر سفرها في الغد فيصبح في الأمر الواقع، لكن عواد فجأة وجد سلواه وما يهون عليه بؤس وجحيم أيامه الخالية.

يهم بالرحيل دون استئذان، وما أمر على النفس من فراق بلا مقدمات، فاتخذ قراره على حين غرة دون تفكير، وقرر أن يبدأ حياة جديدة حيث صور له قصر نظره بأن القادم كله سعادة، بعد أن أوهمته الغزية بأن القادم فرح وسعادة ومغنى.

أرض عواد سقيت من عرق جده وجهد أبيه ورعاية أمه، ورثها وتعب فيها واجتهد وحاول قدر استطاعته، وإن أسقطنا تقاليد وأعراف مجتمعه فإن فعلته لا تشينه، فهي أرضه خالصة له لا شريك له فيها، ثم إنه بعد إفاقته من سكرته حيث رحلت عنه خادعته وذهبت غشاوته، لحسن نيته بحث عن عمل فساقته أقداره إلى أرضه فذهبت به حيث الجميزة التي كان يجلس تحتها صغيراً ليتلمس الساقية التى كانت تدور على مواويله، فجلس تحتها يبكي فعلته ويقرض أنامله وتنهمر دموعه مستغيثاً، فلم يتكبر ويتجبر ويعاند ولم يقنع نفسه ولم يحاكم من لم يرض بخطئه.

عواد لم يغتصب الأرض ولم ينقلب على أهله ولم يأخذ شيئاً ليس له حق فيه، عواد لم يجردهم من حقوقهم ويستعبدهم ويتفنن في إذلالهم واحتقارهم ويحكمهم بالحديد والنار، عواد رجع نادماً باكياً طالباً المغفرة، لم يجمع عصابة تحميه أو منافقين يبررون حماقته وسقطاته ولم يجلب كهنة ككهنة إعلامنا ليعتلوا المنابر، ليوهموا أهله أنه فعل فعلته من أجل مصلحتهم وخوفه عليهم ووطنيته، ولم يستعن بصكوك غفران من مرتزقة الدين فيطلب منهم فتوى تبرهن أن الأرض ملعونة لا خير فيها وأن لفعلته عظيم الأجر والثواب.

فرحنا بالنهاية السعيدة، فعواد وجد سليم ابن عمه فغفر له وأخبره بأنهم استرجعوا الأرض وعاهد ابن عمه على الكد والتعب حتى يسددوا دينهم ويصحح خطيئته. لكن هل يا ترى يخبئ لنا القدر هذه النهاية السعيدة؟..

لا أظن، وليس من العدل، هل يظن مرتزقة الإعلام أنه عندما تحكم ثورتنا سنغفر لهم أو تأخذنا شفقة بهم أو رحمة؟ كلا لن نغفر.
نعم سنزحف، سنزحف نحن جيل يناير ننتشل كرامتنا التي مرغتها فضائحكم في الوحل، ونرفع هذا الوطن من بالوعة فسادكم، ولن نترك ذرة من رمالنا في أي بقعة عجز جبنكم وخنوعكم عن ردها.

لكن يبقى تساؤل:

لن أبحث في وثائق أو أعول على الدستور المنتهك أو برلمان بير السلم، بل يبقى تساؤل لمدعي الوطنية ومبرري الحماقة وكهنة المعبد، إذا سلمنا جدلاً أن أرض تيران سعودية خالصة لماذا يدفع خادم الحرمين -طال عمره- هذا الثمن الباهظ فيها؟
رجاء لا تظلموا عواد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.