المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حمدان Headshot

سلمان العودة.. ليتنا مثلك

تم النشر: تم التحديث:

"حين رحلتي أدركت أني لا أستحقكِ" بهذه الكلمات ابتدأ الشيخ سلمان العودة -عظم الله أجره- تعليقه على ما أظن أنه ما زال يحاول استيعاب حصوله، بعد وفاة زوجته وابنه في حادث مروري، لا أعتقد أن الموقف يحتاج للكلمات الكثيرة بقدر ما عبَّرت هذه الكلمات الخمس عن معنى اليقظة في الوقت الضائع، فكم منا رُزق بالزوجات والأبناء، ومع ذلك يشكو حاله، ودائماً ما يعيش هذا الشخص في حالة من عدم الرضا عن رزق الله له، ثم لا يحس بالنعمة إلا مَن فقدها.

لا أعتقد أن كلمات الدكتور سلمان العودة في موقف وفاة زوجته كانت دليلاً على إهماله لها في حياتها، كما يفعل الكثير منا مع أهله في جعلهم آخر اهتمامه، لكن كلمات الرجل جاءت وفاء لهذه الزوجة التي شاركته حياته، فعند وفاتها لم ينعَ الرجل ولده، مع أن عاطفة الأب ربما تكون هي الغالبة عليه في هذا الوقت، لكن عاطفة الزوجة والسكن الذي فقده الرجل في هذا اليوم كانت أعظم من مصيبة فقده لولده، فقد جعلها الله سكناً ورحمةً، وجعل بين الأزواج مودةً.

دائماً نؤخر اللحظات الجميلة لغير وقتها، ونؤجل الكلمات فتخرج في غير وقتها، وساعتها لا تؤتي ثمارها.
نؤخر الاعتذار، نؤخر الصلح، نؤخر الحب، نؤخر السعادة، نؤخر كذا وكذا، وتخرج الكلمات منا وقد فات أوانها، فربما كانت هذه الكلمة التي تقولها في أذن زوجتك سبباً في استمرار الحياة بينكما، أو زيادة عمرها يوماً آخر إذا قُلتها في أوانها.

أذكر قديماً قصة أخوين شقيقين عاشا أكثر من ثلث عمرهما في قطيعة بسبب ما حدث بينهما يوماً من الأيام، استمر الخصام بينهما أكثر من عشرين عاماً، ثم رأيتهما في آخر أعوام عمرهما يتزاوران خفية من نسائهما اللواتي كن سبباً في القطيعة، ثم رأيت أحدهما يوم مات أخوه يجلس أمام جثمانه يحدثه بكلمات الندم على ما ضيَّعاه من لذه التواصل واللقاء في الحياة، رأيت الندم في عينيه وهما تذرفان الدمع في أقسى درجات الندم والحزن لو كان يدري كم من السعادة فاتته لاعتذر يوم خاصم أخاه، ما لبث أن بقي بعدة ستة أشهر عاشها حسرة ثم مات.

كم من الإخوان والأصحاب والأزواج يهدمون سعادتهم بتأجيل الاعتذار أو الحب لغير وقته، فإذا أحببت أحداً فأخبره ولا تتأخر، وإذا أخطأت فاعتذر، وإذا كانت لديك فرصة فاغتنمها ولا تؤجلها، فقد يرحل الأحباب قبل أن نخبرهم بذلك الحب، وقد تنقضي الصداقة دون أن تعيشها بحق.

أسعدوا مَن تحبون بكلمات، فالكلمات ليست بالمال، فرب كلمة أعطت أملاً وبنت بيتاً وأقامت رجلاً وأسعدت أمة.

الكلمات التي تقدمونها لا تشترونها، ولكن هذه الكلمات لها تأثير عظيم على مَن تقال له، فقد تعلمنا من قدوتنا -صلى الله عليه وسلم- ما كان يربي عليه الصحابة، فهذا عبد الله بن عمر يسمع كلمات النبي عنه، فتتغير حياته بسبب هذه الكلمة "نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل"، فكان لا يترك قيام الليل بعده.

ماذا لو أكرمت زوجتك بالكلام أمام أهلها أو ساعة تلقاها، فسيكون لذلك مفعول السحر على قلبها؟ ماذا لو أكرمت ولدك بكلمة فربما تغيرت حياته بسبب هذه الكلمة؟ وماذا يحدث إذا أثنيت عليه إذا أحسن وعدم توبيخه أمام الناس؟

نؤجل سعادتنا حتى نجمع الأموال ثم نموت ونحن نجمعها، نظل نؤجل كل شيء جميل لوقت آخر حتى تأتي في وقت لا نحس بالسعادة فيه فربما رحل الحبيب أو الصديق أو الأب أو الأم وأنت تبحث كيف تجمع المال حتى تسعد به نفسك ومَن حولك، العادة لا ترتبط بزمن ولا بوقت معين حتى نقرر متى تأتي ومتى تمضي.

إذا أردت السعادة فعليك أن تكون قناصاً لأوقات السعادة، مصوراً للسعادة لا باحثاً عنها وهي بين يديك، مقرراً لها لا منتظراً لأن تأتيك منحة أو منة أو فضلاً من أحد، واعلم أن عمرك ما بقي منه ليس أكثر مما مضى، فاغتنم سعادتك ولا تؤجلها.

كثيرون من نراهم في الغربة يؤجلون السعادة حتى يعودون للوطن فيموتون في الغربة ويعودون أو لا يعودون وقد فاتتهم سعادة في وقت مضى، ولن يعود، ولن يجدوها مهما فعلوا فلا فائدة للأشياء في غير وقتها، نؤجل السعادة حتى يكبر الأبناء، وعندما يكبرون نفاجأ بأنها قد ولَّت بغير رجعة.

لم أرَ للأشياء فائدة في غير وقتها، فما معنى حياة زوجية بغير زوج أو زوجة ولا معنى للطعام دون أن تكون جائعاً، ولا فائدة للمال إذا لم نكن في حاجة إليه، ولا معنى الحياة دون أحباب وأصحاب وأهل يزينونها، فاغتنموا أيامكم، وأسعدوا مَن حولكم، فربما تستيقظون وقد فقدتموهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.