المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد حسن أحمد حسن  Headshot

إعدام الشباب في مصر.. منهج نظام

تم النشر: تم التحديث:

قُضي الأمر، وباءت كل المحاولات بالفشل، دفع الأهل مالاً كثيراً لمستشارين ومحامين، وابتهل سامح إلى الله كثيراً أن يخرجه من هذه الكربة، ظل صائماً قائماً طوال هذه المدة، ذرف الدموع، وحار الأهل إقليمياً ودولياً، تحركت المظاهرات تجوب الجامعات، وأقام الطلبة حملات قوية لتخفيف حكم الإعدام.. وبدا الأمر كأنه واقع.

ارتدى سامح بدلة الإعدام بعد صدور الحكم، أو كما يسمونها "البدلة الحمراء"، ومنذ أن لبسها انتابته صدمة وتفكُّر، ذهول وفلسفة.

انقطع منذ سمع الحكم عن الحياة تدريجياً، فقد عزلوه في زنزانة الإعدام البائسة القذرة لفترة طويلة انفرادياً، ويكأنهم يؤهلونه.. ويكأنهم يعذبونه عذاباً فوق عذابه.. وهو في طريقه للزنزانة جالت في رأسه قصة سيدنا إبراهيم، وكيف أنزل الله عليه البرد وسط النار.. لم يتوقع سامح الحجرة وضيقها.. البدلة الحمراء وبؤسها، طعام المعدومين ومرارته في الحلق، كم هو مرّ ولا يكاد يفوت من الفم حتى لتشعر أنَّك أكلت الحنظل ذاته، لم يكره في حياته القصيرة قط صوت إغلاق الباب وفتحه إلا هناك، لم يكره اسمه الجميل إلا عندما يناديه السجَّان بصوت خشن غليظ؛ ليدفع إليه بالطعام أو شربة الماء.

وظل هكذا في هذه الغرفة القذرة وقتاً لا يَعرف مدته.. فقد تشابه الليل والنهار بعد أن طالا، فيومه أصبح كعمره الفائت كله.. كل فترة يسرح بخياله فيلمح نفسه طفلاً يركل الكرة لأخيه على الشاطئ الجميل، يذكر المدرسة والجامعة والعمل.. يااه، هل يا ترى تعود الذكريات واقعاً؟
تذكر السياسة والمظاهرات، تذكر سيدي جابر والبلطجية، ولأول مرة يبتسم.. وهمس لنفسه قائلاً: صدق يا سامح البلطجية هما اللي عايشين في البلد دي؟

وكان السجان اللعين يغيظه من حين لآخر، عندما جاء له بفيديو على هاتفه لرجال أعمال وبلطجية ورفاقهم عندما خرجوا من السجن.. وأصر على ذلك السجان عندما لم يصدقه سامح في المرة الأولى عندما أخبره.. فأقسم على أن يريه من خرجت ضدهم المظاهرات وهم أحرار يتقلبون في النِّعَم.. من سرقوا قوت الفقراء ودسوا السم في غذائهم ودوائهم، طلقاء يا سامح، طلقاء أيها المسكين، وستشاهد بنفسك، وبعد أيام مرر له التليفون دقائق ليصدمه.. وليته لم يفعل!

لك أن تتخيل أنك تعرف آخر يوم في حياتك بالميعاد؟ هل يعقل؟
لا أبداً لا يُعقل ذلك، فحتى لو أخبروك فستظل لا تصدقهم، وكلما اقترب الموعد، زاد أملك في النجاة وحُبك في البقاء، لا لنفسك لكن شوقاً لأهلك، ولولدك، ولصحبك، ولذكرياتك.

وفى آخر يوم له، أخبره السجَّان بأنَّه الأخير، وصباح الغد سينفذ الحكم.. هنا ارتعد سامح قليلاً.. لا يعرف خوفاً أم قلقاً أم لأن الأمل كاد ينقطع.

صلى كما كان يصلي في يومه ما يُقدِّر الله له.. وزاد، أطال السجود والدعاء، ظل يُكلم والديه وزوجه وأولاده بصوت مسموع، كذلك أصحابه، حديث المودع الذاهب بلا رجوع.

في الصباح رغم أنه لا ضوء ولا دلالة على النهار داخل المكان برمته، لكنّه عرف ذلك من وجوه الواقفين، وجوه بالكاد تقف، يظهر على وجوههم كلاحة، وفي زاوية انكفى أحدهم يدوّن ويملأ أوراقاً ما، وبجانبه ممثل ارتدى عمامة حمراء يحيط بها وشاح أبيض، ويرتدي جلباباً أبيض ممسكاً بمسبحة ليكتمل المشهد، جاء ليشهد الإعدام ويردد مع سامح الشهادتين.

عندما اقترب منه الشيخ، سلم عليه سامح، وضغط على يديه ضغطة احمرَّ لها وجه الشيخ، ضغطة يريد أن يوصل بها رسائل.. وقد وصلت عندما ابتلع أخونا ريقه.

ثم كلم سامح الحاكم والقاضي والضابط والشيخ في سرِّه، وأغمض عينيه، وقال: سأقابلكم عند الله.. سأقاضيكم عند العدل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.