المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد حسن أحمد حسن  Headshot

قِفوا أمام المرآة

تم النشر: تم التحديث:

ذات مرة كنت أعمل في شركة ما، وكانت هناك شركات كبيرة تعمل في نفس المكان، المهم كان مديري تربطني به علاقة طيبة حيث كان متديناً على خُلق، رافضاً للظلم المستشري في المجتمع، مثله مثل بقية الزملاء.

وبعد شهور علمت من مصادري أن مديراً في شركة أخرى يبحث عن مهندس صغير يُوكل له بعض الأعمال، هي فرصة جيدة والشركة مرموقة، فأخبرت مديري بالأمر ليساعدني، فقد كان المهندس "صاحب الوظيفة" صديقاً لهُ يتبادلان الكلمات والضحكات وتجمعهما نفس الأفكار العامة والنقد البنّاء لما تقوم به الحكومات في المنطقة من ظلم للعباد وتبديد للثروات.

بعد أيام كنت أوقّع بعض الأوراق فناداني مديري؛ حيث كان يجلس مع صديقه صاحب الوظيفة، وقال لي: " أنا أخبرت مهندس @#$ بحاجتك في الانضمام لفريقه، لكن هو يريد مهندساً ذا خبرة"، فالتقط "صاحب الوظيفة" أطراف الحديث؛ ليكمل أنه بالفعل يبحث عن مهندس خبرة أكبر منّي، ولكن انتبه يا ولدي ربما تُملي عليَّ إدارتي أحداً ليس بخبرة من الأساس، لكنْ أنت تعلم كيف تسير الأمور! أنت مهندس مجتهد طموح وأتمنى لك مستقبلاً باهراً.

فى الحقيقة أنا لم أتوقع ذلك، فالاثنان يعرفان كفاحي واجتهادي، ولكن نبَّهني "صاحب الوظيفة" إلى أن الأمور ليست بيده كلها، وكان درساً مهماً في البدايات أن وصولك لوظيفة معينة أنت أهلٌ لها في هذا البلد يحتاج بجانب الاجتهاد والكفاح إلى منظومة متكاملة من العدالة والمساواة.

لا يعنيني أن بعدها بأيام انضم للوظيفة مهندس أصغر وأقل في الخبرة، لقد أصبحت متحمساً لمكاني أكثر بعد هذا الدرس، طوال العام كنت أراقب تلاحق المهندسين على مثل هذه الوظيفة، فحين تمدد المشروع كانوا بحاجة إلى عدد أكبر من نفس هذا المستوى، من الشباب ذوي الخبرة القليلة، المجتهد.. وقد لاحظت أن معظم مَن ينضم سواء مهندسون أو مهندسات هم من طرف فلان أو علان أو ربما علانة، وكيف أن مديري السابق ذِكره وصديقه "صاحب الوظيفة" قد اجتهدا في ضم مهندسة ابنة صديق لهما إلى شركة "أصحاب الوظيفة" وظنّي أن في هذا مجاملة كبيرة.

كانوا كثيراً ما يجتمعون في مكتب مديري ليتبادلوا الحديث مع أكواب الشاي في أيام الشتاء، ويصل الحديث إلى الوزير الذي عين ابنه في وزارة البترول، ونائب مجلس الشعب الذي استولى على كل تعيينات المحافظة والبندر لأقربائه، كنت أسمع هذا وأدفئ جوفي برشفة شاي، وأقول في سرّي: تنتقدون الوزير وأنتم تفعلون هذا كل يوم، ولو صِرتم وزراء لفعلتم أكثر، لا قيمة للشعارات إن لم يستطِع الفرد أن يطبّقها في حياته واقعاً عملياً ملموساً، هي والعدم سواء في نظري، ولن تغدو أكثر من شعارات وهمية براقة تملأون بها أوقات فراغكم.

عندما سُئلت عائشة -رضي الله عنها- عن أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: "كان قرآناً يمشي على الأرض"، أقواله هي القرآن، ومضمونه وشرحه هي واقعه وحياته، لا فرق ولا تحريف.

كلنا ننتقد ظلم الحاكم ونحن نظلم كل يوم، من عامل النظافة الذي نزدريه لعامل البوفيه، العامل البنغلاديشي المسكين نعامله كأنه درجة رابعة، والخبير الأجنبي نعامله كالملاك، أبناؤنا ربما نهينهم ونشوههم، ونحن نشاهد حلقة متلفزة عن فساد التعليم وتحطيمه للطلاب في المهد، ونلعن الوزير والوزارة.

"كلكم راعٍ" فحاول تطبيق شعاراتك على نفسك، ثم أسرتك في الأساس، قبل أن يعلو صوت معارضتك كثيراً، انتقد نفسك وراجعها، وستجد أن الظلم والجور والعقوق تخرج من دواخلنا كلنا، فتحيط المجتمع بأسره، فيطفح المجتمع بأقذر مَن فيه؛ ليمثلونا في البرلمانات والمحافل والوزارات وأمام أبواق الإعلام.

صدِّقوني إنْ طبّقتم منظومةَ العدالةِ على أنفُسكم وأهليكم وفي محيطكم، ستنعكس وتحيطنا جميعاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.