المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

أحمد داوود أوغلو .. الفيلسوفُ الذي لم يخُنْ محبوبته!

تم النشر: تم التحديث:

جامعة مرمرة / تركيا 1995

ربما من المؤكَّد أنَّ أوغلو الأستاذ الجامعيَّ اللامع صاحب الأربعة وثلاثين ربيعًا وقتها كان يظنُّ أنَّ القادم أفضل، وأنَّ ما تشهده تركيا في ذلك الوقت هو أرضٌ خصبةٌ ـ لمن أفنوا ما مضى من أعمارهم ـ في طرح نظريات وفلسفات سياسية جديدة على الشارع التركيِّ، الذي بدا وكأنَّه قد ملَّ من حالة التخبط الاقتصادي والسياسيِّ التي اجتاحت البلاد في عشرات السنين الماضية.

إضاءاتٌ على الرحلة

منذ أنْ قرر أحمد داود أوغلو، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، طرح أفكاره الفلسفية على أرض الواقع، كان يتوقع أنَّ النجاح سيكونُ حليفَه، وربما كانت لديه عدَّة أسبابٍ لذلك:

1- الرغبة الحقيقية لدى فئات المجتمع التركي في أن ترى بديلًا حقيقيًّا ينهض على المستوى الخدميِّ والتنفيذيِّ بعيدًا عن صراعات العسكر وجنرالات السلطة الحاكمة.

2- على التوازي تمامًا مع الحاجة لإنعاش اقتصاديِّ وخدميِّ، كان المجتمع التركيُّ مهيَّأً ومهيئًا تمامًا لكي يستقبل مبادئ وأفكار البراجماتيَّة الأخلاقيَّة التي كان يروِّجُ لها أوغلو في كتبه ومحاضراته ومقالاته التي كان ينشرها في جريدة يني شفق التي وصلت لأكثر من مائتي مقالة!.

3- التنامي المتصاعد لحركة أردوغان ورفاقه، الذين اشتركوا مع أوغلو في نفس الخلفية الإسلامية الثابتة ، فجاء نجاح العدالة والتنمية على المستوى الخدميِّ في منتصف تسعينات القرن الماضي ـ ليليَّن ـ القاعدة الفكرية لدى جموع الأتراك، المتخوفين من دخول الجيش كعادته في صراع متوقع وتقليدي مع أي حكومة أو تنفيذية ذات خلفية إسلاميَّة، ولعلَّ عندنان مندريس والأستاذ نجم الدين أربكان ليسا ببعيدين عن المشهد.. لذلك جاء نجاح الرفاق في عام 1995 حين تولى أردوغان بلدية إسطنبول، جاء ليفتح الباب أمام نظريات الفيلسوف الأول ومنظر الشباب القادمين من بعيد.

4- الطبيعة الهادئة للفيلسوف الجامعي وأفكاره المقبولة التي كانت تضمن للأتراك عدم الدخول في صراعاتٍ جديدة ـ أو قل مباشرة ـ على الأقل على المستوى الزمني القريب، مما أتاح الفرصة للناس لأنْ تستمع إلى أفكار الفيلسوف المُنظِّر.


السياسي القادم من خارج البرلمان

كان طبيعيًّا جدًّا أنْ يستغرب المشهدُ الحكوميُّ التركيُّ قدوم رجلٍ من خارج البرلمان ليكون مستشارًا أعلى لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان آنذاك، فبدا التناغمُ بين الرجلين واضحًا فيما يخصُّ الملفات الرئيسة الهامة في البلاد. المتتبع لسيرة الرجل "أوغلو" في الست سنوات الأخيرة التي تسبق العام 2009 ـ أي قبل أن يتولى أوغلو حقيبة الخارجية ـ سيجد بصمة الرجل واضحةً في عدد من المحاور السياسية للدولة التركية، والتي وصلت لدرجة أطلق فيها البعضٌ على الرجل بأنَّه وجهُ تركيا في الغرب، والوسيلةُ المفضلة للتواصل بين الغرب وبين الرجل القويِّ رجب طيب أردوغان.

كان الهدف الرئيس الذي سعى إليه أوغلو طوال هذه الفترة أنْ يعيد تركيا كما يراها هو ورفاقه في الحزب إلى مكانتها التي من المفترض أن تكون عليها عالميًّا وإقليميًّا، ويمكنك الرجوع إلى كتابه الشهير "العمق الاستراتيجي - موقع تركيا العالمي"، والخاص بالسياسة الخارجية التركية؛ حيث يبحث فيه السياسة العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة، ويناقش موقع تركيا الحالي، ويصور فيه موقع تركيا بدمجه بموقع الدولة العثمانية القديم العريق، ويضع أوغلو في هذا الكتاب بعض الخطط النظرية والتطبيقية لإعادة التاريخ التليد لتركيا وريثة الدولة العثمانية، وكيفية جعلها من الدول القوية عالميًّا، كما ناقش سياسة الانفتاح والتنوع في المجالات المختلفة التي تضمن للدولة التركية حجز مقعدها العالمي والإقليمي حسبما ذكر الكاتبُ جلال سلمي في مقالة له في سبتمبر/أيلول 2015.

وجهُ تُركيا في العالم

ما حدث في الأول من مايو/أيار 2009 كان طبيعيًّا جدًّا ومتوقعًا؛ إذْ تسلَّم أوغلو رسميًّا حقيبة الخارجية التركية في وزارة أردوغان القويَّة، وهنا يجب أن أقف لأشرح للقارئ بعضًا من الملامح السياسية لتركيا في عهد أوغلو وزير الخارجية ، والتي ربما تفتحُ لنا بابًا لفهم طبيعة الرجل، ومدى تأثير ذلك على الوصول إلى الخاتمة الدراماتيكية التي أعلنت هذا الأسبوع، بخروج الرجل من المشهد السياسي الرسميِّ على الأقل، إذنْ لنلق الضوء على أبرز الملامح السياسية:

1- نعودُ للفترة التي قضاها الرجل في حقبة الخارجية، التي كانت مُتوجةً لجهوده المكُّوكية في أزمة قطاع غزة عام 2008، والجهود الدبلوماسية التي بذلتها تركيا في محاولة إيقاف الصلف الإسرائيلي ومساعدة القطاع بالمواد الغذائية والأجهزة الطبية، بما منح لتركيا مقعدًا هامًّا في معسكر المقاومة الذي كان يضم سوريا وقطر وحزب الله وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي لاقت بالطبع زخمًا شعبيًّا عربيًّا وعالميًّا واسعًا.

2- "الحُلم التاريخي" الذي كان يراود أردوغان وأوغلو ورفاقهما بالانضمام إلى الاتحاد الأوربيِّ، فتجلَّى دور أوغلو في الفترة بتلميع السياسة الخارجية التركية في الغرب، والمضي قدمًا في تحقيق (معايير كوبنهاجن) التي يتم بموجبها تحديد أهلية البلاد التي تطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي.
3- سياسة "تصفير المشاكل" التي تعد أبرز ملامح سياسة الرجل الخارجية، والتي تمكن تركيا من لعب دورها المحوري والعالمي على كافة المستويات دون أن تخلق مزيدًا من الأعداء، طالما لم تخالف هذه السياسة الخارجية ثوابت العدالة والتنمية ومرجعيته الإسلامية والأخلاقية.

4- القفزة الهائلة التي أبرزت نجاحات السياسة الخارجية التركية بقيادة داود أوغلو وهي التدخل في الصومال، عندما تركها العالم كله باعتبارها حالة ميؤوسًا منها، إلا أنَّ تركيا نزلت بكامل ثقلها فارتفعت أسهمها نتيجة لذلك في كافة أرجاء القارة الأفريقية، من جهة أخرى، يتجلى نجاح الثنائي السياسي داود أوغلو/أردوغان في الصومال في انتخاب تركيا كعضو غير دائم في مجلس الأمن، بينما أضحت إسطنبول التركية، المدينة المفضلة لعقد الاجتماعات الدولية، متغلبة بذلك على إرث أوروبي في هذا المجال حسبما ذكر الكاتب والباحث في القانون والعلاقات الدولية ريتشارد فولك في مقاله "أحمد داود أوغلو ـ رحلة النجاح".

5- الخط السياسي الواضح الذي وضع للدولة التركية ملامح واضحةً في الصراعات الإقليمية والدولية بداية من الربيع العربي والمناطحة التركية الروسية والضغط على الاتحاد الأوروبي وتفعيل الدور التركي في حلف الناتو باعتبار تركيا أحد الأعضاء المؤسسين.

السياسة والأخلاق.. الخط المتقطِّع ومأزق الخروج الكبير
يوم التاسع والعشرين من أبريل/نيسان الماضي، قررت الهيئة العُليا لحزب العدالة والتنمية سحب سلطة تعيين قيادات الحزب الفرعية والمحلية من رئيس الحزب (أحمد داود أوغلو)، الأمر الذي يعني دخول مرحلة الخلاف الهادئ بين أردوغان وأوغلو مرحلة متقدمة جدًّا؛ إذ تعكس هذه الخطوة رغبة أردوغان في الإبقاء على دوره المحوري في التعيينات الحزبية والمحلية، حتى بعد أن ترك رسميًّا رئاسة الوزراء والحزب، بعد أن استنفد مدد انتخابه رئيسًا للوزارء؛ لينتقل بعدها إلى كرسي الرئاسة التركية.

بالطبع لم تكن النقلة المفاجئة في المقالة من التناغم السياسي بين الرجلين إلى قرار الحزب بتقليص صلاحيات أوغلو انتهاءً بإعلان أوغلو نفسه نيته عدم الترشح مرة أخرى لرئاسة حزب العدالة والتنمية، ما يعني الخروج من المشهد السياسي، لم يكن كل ذلك مفاجئًا؛ حيث إنَّه من المعلوم تصاعد الخلافات منذ أن تولى أوغلو رئاسة الوزراء في أغسطس/ آب من العام 2014، وربما استفاض الباحثون والكتاب في تلخيص أهم أسباب استقالة أوغلو وابتعاده عن المشهد في النقاط التالية:

1 - التدخل المباشر من شخص رئيس الجمهورية في ملف اختيار أعضاء الهيئة العليا للحزب لدرجة جعلت أردوغان يكتب بنفسه قوائم الهيئة العليا للحزب، والتي خلت من أبرز شخصياته مثل نائب رئيس الوزراء بولنت أرِنتش الذي اختلف مع أردوغان حيال تناوله لتظاهرات جَزي بارك عام 2013، وحيال ملف النظام الرئاسي، وكذلك ترشيحات الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لدرجة أن تدخل أردوغان شخصيًّا وألغى ترشيح الحزب لبعض الشخصيات السياسية داخل الدولة.

2- اعتراض أوغلو على التوجه الواضح من الرئيس نحو تحويل تركيا البرلمانية إلى الدولة الرئاسية.
3- الخلاف الواضح بين طريقة الإدارة لكلا الرجلين في الفترة الأخيرة؛ حيث يتزعم أردوغان معسكر الهيبة والقوَّة السياسية، بينما يفضل أوغلو استمرار اللعب بسياسة جغرافيا السياسة الناعمة.

الفراق

سيقولُ قائلٌ إنَّ الدولةٍ تحتاج إلى قوَّة أردوغان وسياسة أوغلو؛ لتفرض نفسها على محيط الأحداث العالمية، وهو ما قد كان بالفعل في الدولة التركية.
بالرغم من أنَّني لم آخذ في هذه الأزمة أحد طرفيها لعلمي الكامل بمخاوف أردوغان من جنرالات العسكر والدولة القديمة، ومخاوف أوغلو من فقدان القاعدة الجماهيرية التي كونها الرفاق معًا طيلة كل سنوات الكفاح السابقة، وخسارة القوة الناعمة التي انتهجتها تركيا طوال معظم فترات العدالة والتنمية، وبالرغم من أنِّي أعلم أيضًا أنَّ فلسفة أوغلو الأخلاقية لم يحتملها عالم السياسة، بعد أن أدرك أخيرًا أنَّ هذا العالم قذرٌ وقذرٌ جدًّا مهما حاولنا تجميل قبحه، فما كان منه في النهاية إلا أنْ رفض خيانة فلسفته ومحبوبته التي رافقته كل هذه السنوات، وبالرغم من يقيني من مدى الأخلاقيَّة التي تخرج بها قراراتُ الرجلين أردوغان أوغلو، وحرص كليهما على قوة الدولة، بالرغم من كل ما سبق فإن شعورًا بالحُزن سيصيبُك عزيزي القارئ عندما أنقل لك عن الباحث الدكتور سعيد الحاج قوله بأنَّه ينظر الآن في مايو 2016 إلى حزب العدالة والتنمية فيجد أردوغان وحيدًا، وعلى مسافةٍ بعيدة منه تفرَّق عبدالله غُل وبولند أرنيتش وعلي باباجان وأحمد داود أوغلو وحاقان فيدان و.... والبقية التي ربما تمتلئ بهم النقاط السابقةُ.

بغض النظر عن الأسباب ودوافعها إلَّا أنَّ ضميري يجعلني في نهاية المقالة أقولُ إنَّ تُركيا العدالة والتنمية لا تسيرُعلى المدى البعيد في طريقها الصحيح.. لا تسيرُ فيه أبدًا!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.