المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

محمد حسنين هيكل .. مَدْرسةُ لمْ ينجحْ أحد !

تم النشر: تم التحديث:

الرجُلان

"مش عيب إني أبقى فقير وأستلف علشان أبني بلدي.. لكنْ العيب إني أمتص دم الشعوب، لن نُمكِّن منا تجار الحروب.. لن نُمكِّن من تجار البشر.. سنعتمد على سواعدنا.. سنعتمد على دمائنا وأجسادنا.. إحنا أغنياء.. كُنَّا مُتهاونين في حقوقنا. آن الأوان نستردَّها".

بهذه العبارة الشهيرة التي استخدمها ناصر في خطاب تأميم قناة السويس عام 1956 يمكنُ أنْ تلتقطَ الخيط الأوَّل من خيوطِ الحكاية. ستشمُّ رائحةَ سيجارِه الشهير في معظم خطابات ناصر، لذلك كان لابدَّ وأنْ يكونا صديقين.. كان كلٌّ منهما موهوبًا في مجاله.. عبد الناصر للزعامة والكاريزما وإشعال الجماهير وتعاظم الذات والوهم، ومحمد حسنين هيكل للنظريَّةِ والتأصيلِ وتغليفِ الفنادق. احتاج ناصرُ لمنْ يُلقِي إليه بمفتاح الشخصية المصرية، واحتاج هيكلُ لأنْ يكون الأستاذ، ولأنَّ ناصر كان ابن اللحظة فالتقط ما أوعز به إليه هيكل فجوَّد ودندن.

ربما كان من المُتوقع أنْ أقف هنا في ثنايا المقال لأنتقم من الرجل الذي دمَّر أحلام أجيال مختلفة في مقدمتها جيلي البائس، لكنَّ موضوعية الخصومة وضرورة النظر من الزاوية العكسيَّة تقتضي أنْ نتتبع هيكل من زاويةٍ مختلفةٍ، وتقتضيَ كذلك أنْ ننظر إلى ما لم نفكِّرْ أنْ ننظر إليه من قبل.. لماذا كان محمد حسنين هيكل؟

هيكل المُمتد

إنَّ المتأمل لسيرة هيكل الطويلة يدركُ أنَّه إزاء فقيرٍ جاء من القليوبيَّة يتحسَّسُ طريقه نحو الأستاذيَّة جيدًّا.. أقولُ إنَّ الكارثة كانت في أنَّ هيكل خبر الشخصيَّة المصرية وعلم دواخلها وهنَّاتها فامتلك زمام الأمور، ولأنَّه كان موهوباً في عقيدته القاتلة فقد نجح في أن يزرع كلَّ هذه الأفكار في عبد الناصر وشعبه ودولته، ثم لم يتوانَ في أنْ يقف مع "الشرعيَّةِ الدستوريَّة" ـ هكذا يبدو البقاءُ تحت الأضواء مقبولًاـ وينحاز إلى السادات في معركته الأولى والأقوى مع دولة رجال القوى.. يختلفُ مع السادات في توجِّه مصر المُنفتحة نحو إسرائيل فيقررُ أن يغضب.. تشتدُّ الأزمةُ بين الرئيس المُنفتِح وفيلسوف دولة ناصر حتى يقرر السادات أنْ يودعه في النهاية السجنَ مع أكثر من ألفٍ وخمسمائة معارضٍ في اعتقالات الثالث من سبتمبر/أيلول الشهيرة.. يمتنُّ هيكل لتجربة السجن التي سيكتملُ بها قاموسُه المهني.. أتتهُ الفرصةُ على طبقٍ من ذهب لكي ينظِّرَ ويقولَ بأنَّ الكلمةَ شرفٌ وأمانةٌ حتى لو كلَّفهُ ذلك السجنَ، بينما يظهرُ في الزاويةِ الأخرى من الكادر وجهُ الحقيقة.. ببساطةٍ لم ينصعْ الساداتُ للأستاذِ كسابقِه!

يُغتالُ الساداتُ بعدها بأشهرٍ قليلة ثم يأتي حسني مبارك "بطيء الفكرِ" كما كان يحلو لهم أنْ يُسمُّوه في جلساتهم الخاصة.. يلتقي المثقفون -وعلى رأسهم هيكل- في قصر الجمهورية ويكأنَّه يفتحُ صفحةً جديدة من تاريخ مصر؛ ليكون أوَّل من يؤسس لدولة الحِضنِ الكبير الذي يسعُ الجميعَ.. مصرُ تحتاجُنا جميعًا.. لا يمكنُ أن أغتصبها وحدي!

يتعاظمُ شعورُ الأستاذ بالوحشة، شتَّان بين ناصر وبين ما لحقوه.. التعاملُ مع الصبيةِ مُرهقٌ لا يمكنُ أنْ يُشبه أبدًا لذَّة المُعلِّم!.. تنقضي سنوات حسني مبارك الثلاثون حتى تقوم ثورة الخامس والعشرين، من ينايرعام 2011 ويقوم معها الأستاذُ من جديد لينظِّر ويُؤصِّل لحركة الشباب وديمومة الثورة.. يذرُ برصيده الكبير وكلامه المعسول الرماد في العُيون التي انتفضت أصلًا على أفكاره، لكنَّ شيئاً لم يفلحْ مع شباب يناير الذين "هرشُوا" الأستاذ جيِّدًا وأعلنوها واضحةً: تسقطُ فلسفةُ العواجيز!

يأتي الرئيسُ المصريُّ المعزول محمد مرسي ليلتقي الأستاذَ حتى تبدوَ اللقطةُ أكثر اكتمالًا لدى العوام الذين يرتاحون لسبب ما خفيٍّ لطلَّة الأستاذ!

تمرُّ السنةُ والأستاذُ يفركُ بدهائِه وصبيانه في القنوات الفضائيَّة حتى تقوم أحداث الثلاثين من يونيو/حزيران لعام 2013. ينقلبُ وزيرُ الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدنيٍّ مُنتخب ليستعيدَ الجيشُ دولته التي فقدها منذ الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني.. يركبُ الأستاذُ على المشهدِ.. وقتُه وتمامُه لكي يُفلسِف.. تارةً يبدأ في التأصيل لانقلاب العسكر على الرئيس المدنيِّ فيُسمِّيه في أحد لقاءاته التلفزيونية الشهيرة بالثورة، وتارةً يستعيدُ أمجاد دولة ناصر وهيبةَ الدولة وعقيدتَه التي لم تتغير يومًا في قوة العسكر! يُسمِّي عبد الفتاح السيسي بمُرشَّح الضرورة ليصكَّ بذلك مصطلحاً جديداً يتهافتُ صبيانُه في الفضائيات المصرية والعربية على التقاطه.. الأستاذُ يبدو متألِّقًا وأنيقًا!

منطقة هيكل

اخترق الصحفيُّ الشابُّ محمد حسنين هيكل عُمق الشخصيَّة المصرية ليبلغ منتهاها ويتعامل معها بذكاءٍ أوصله بعد تسعين عاماً إلى ما وصل إليه من اسمٍ وكاريزما ونفوذٍ وأستاذيَّةٍ طالما تباهى بها. منذ اللحظة الأولى لعب هيكل على بُعدين رئيسين، أدرك أنَّ العوام يخافون السلطة وأنَّ الجيش مصدرُ السلطات.. ربما لم يخفَ ذلك على أحد لكنَّ غيره من الكتاب أو الصحفيين لم يكن ليملك هذا الكلام المعسول أو الهالة التي يلقيها هيكل على أفكاره التي اتفقت فيما بعد مع أفكار دولة ناصر.

قلتُ في بداية المقالة إنهما كان لا بد وأن يكونا صديقين حميمين؛ لا لأن ناصر كان ساذجاً فيحصر نفسه في مربع رجلٍ واحد، بل لأنَّه أدرك أنَّ هذا الشيطان الشاب يملكُ تجميل الأمور وتزيينها والوصول بكلماته إلى العُمقِ الجُوَّانيِّ من الناس.

يقفُ ناصر في خطبة عنتريَّةٍ شهيرةٍ متحدِّياً أميركا ومُلهِباً حماس المواطنين، بأنَّ عليهم أن يدركوا طبيعة الواقع فيساعدوا الدولة الجديدة في بناء حاضرهم ومستقبلهم حتى لو اضطرُّهم ذلك إلى الاستغناء تدريجيًّا عن كل ما هو غير ضروري.. من يأكلْ لحمًا سبع مرَّات في الأسبوع يجعلْها خمسًا ومن يأكلْ خمسًا يجعلْها ثلاثًا.. لن يهزمنا الجوعُ وسنبني بلدنا!

لك أنْ تتخيل ونحن في العام السادس عشر بعد الألفين وقْع هذه الكلمات على شخصيَّةٍ عُرفت بأنَّها عاطفيَّة، بالطبع دغدغت كلمات ناصر وفلسفة هيكل مشاعر المصريين وعواطفهم طوال حكم ناصر.. أمَّا البعدُ الثاني الذي اعتمدت عليه فلسفة هيكل في تأصيل الانقلابات وتعريبها فكان حاجز الخوف الذي يتملك الفئات الشعبية المطحونة، كان الرأيُ أنْ تجمع الدولةُ بين فلسفة مناطحة الغرب وقهرِ أعداء الدولة في الداخل والخارج؛ ليؤصِّل بذلك فكرة القتل الوطنيِّ الذي تمارسه السلطةُ الرسميَّةُ ضد المعارضين!

الدولةُ دائماً في حالة صراع مع العدو الذي يتغير مفهومه حسب الحاجة أو التوقيت، والمواطن دوماً كان عليه أن يعلن عن دعم الدولة وأيديولوجيتها، وإلَّا فطريقٌ آخرٌ يلوحُ في الأُفق وليس شيئًا آخر! الغريبُ أنَّ الغالبية العظمى من جمهور هذه الأنظمة أصَّلت تدريجيًّا لكل الكوارث التي ارتكبتها أنظمتُها من قمع الحريات والمغامرة بمستقبل الوطن وافتقار أدنى مبادئ الرؤية الواضحة والتخبُّط الاقتصادي والعشوائيَّة الفكرية.. ولأننا نحبُّ التجويد فلم نكتفِ بالدعم فحسب، بل انطلقنا نطوِّع الدين ونريدُ باطلًا بالحقِّ الذي استخرجناهُ منهُ، ولمزيدٍ من الحبكة نقولُ إنَّ الدين ليس مظهرًا وإنما إطعامُ الناس ونشرالعدل بينهم، لكنَّ ثمَّة بابًا مفتوحًا نسيت تلك الأنظمةُ أن تُغلقه.. ما جدوى كل هذا البناء إنْ قمت أنت أصلًا في البداية بهدم الإنسان؟!

لا تكنْ لصًّا غشيمًا بل اسرقني بلطفٍ!

انتصر هيكل تقريبًا على كلِّ من حاول أن يقترب من نقطته الفريدة بتكسير العظام تارةً وبالاحتماء بسمعة الأستاذ وهالته ومخزونِه الكبير لدى الناس تارةً أخرى، بل فعل "السليمة" حتَّى مع أستاذه في أخبار اليوم "مصطفى أمين" الذي اتهمه هيكل بالخرف إثر محاولة مصطفى أمين فضح علاقة هيكل بالمخابرات الأميركية. في عصر مبارك ظهر على الأهرام تلامذةٌ كثرٌ تناوبوا اغتصابها لكنَّ أحدًا لم يصل إلى ما وصل إليه هيكل من الاحترافية والجنتلة في فعل كل ما يحلو له.. في النهاية سقطوا وبقي هيكل!

لم تفلحْ أبواقُ النظام وجرائده ومؤسساته الرسمية التي منحت كُتَّابها المقربين الحظوة والمكانة والأموال في أن تستنسخ شخص هيكل أو طريقة تغليفه، ربما تفوق عليهم بعامل السنِّ الذي لم يكن له دخلٌ فيه وربما كذلك لأنَّه كان يعرف من أين تؤكل الكتفُ دون أن يفقد مقامه أو يبعثر دُخان سيجارِه! لأكثر من سبعين عامًا فشل كلُّ من حاول أن يقترب من الرجل أو يقلده أو يتخرج حتَّى في مدرسته..

السياسةُ المُؤدَّبَة

أفسد هيكل على مدار كلِّ هذه السنوات مخططات خصومه (من الإسلاميين حتى اليسار) الذين قرَّروا أنْ يُلاعبوا خصمهم التاريخيَّ بكلِّ أدب، متوهمين أنْ يُثمر ذلك عن نجاحٍ وليد! وهنا من تلك الزاويةِ العكسيَّة نعودُ ونسألُ: لماذا لم تلعب المعارضة على النقطة التي كان يستهدفها هيكل ومدرستُه في الناس؟! لماذا لم تدركْ الخصومُ أنَّ السياسةُ لِمن قرَّر أنْ يكسب الناس لا من قضى عمره يشيطن الشيطان المتشيطنَ أصلًا؟!.. هيكل كان مُزوِّرًا بارِعًا لم يعبأ طوال حياته بالمهنيَّة قدر ما كان يعنيه أنْ يظلَّ محتفظًا بأستاذيَّته، وبقدر ما كان يحافظُ على اللاشيء الفاصل بين الصحفي المخبر والسياسي الدولة! وبقدر ما كان يهمه أنْ يكون الوطنُ نظيفًا قويًّا كما يفهمه ويراه ويحبُّه هو! لمْ يكنْ مُستغرَبًا أنْ يُحلِّل الرجل طوال حياته كلَّ زيجات العسكر بالدولة، لكنَّ الغريب حقًّا هو كيف دُفِعت المعارضةُ دفعًا لتكون المُحلِّل في كل هذه الزيجات؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.