المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

في ظِلالِ ثُلاثيَّة غِرناطة"2" .. الجميلاتُ كُنَّ القويَّات

تم النشر: تم التحديث:

لا أذكرُ متى كان ذلك بالتحديد؟.. فقط ما أذكره أنني أُخِذتُ حين قرأتُ تعليق أحد الأصدقاء عن ملحمة "غِرناطة"، ثُلاثيَّة الجميلة رضوى عاشور.. لم يكنْ ما أخذني هو الثناءُ الذي كتبه الصديقُ عن السيدة الجميلة؛ إذْ لم يكنْ غريبًا أنْ تُثبتَ كلُّ هذه العيونِ الكثيرةِ جمال رضوى الذي يتبخترُ كظبيةٍ صغيرةٍ في خُضرة ربيعٍ صافٍ، بل ما أدهشني طبيعةُ المفردات التي استخدمها الصديقُ للتعبير عن الأثر الذي تركته فيه هذه الرواية.

كتب صديقي حينها أنَّ الثُلاثيَّة غيَّرت وجه الحياة في عينيه !.. كانت مشكلتي آنذاك في أنَّه كيف لنصٍّ أدبيٍّ مهما كانت جودتُه أنْ يكون استثناءً في حياة قارئه؟!. كيف له أنْ يُغير ويُثبت ويسرح في خبايا الروح هكذا؟!، ولا أريدُ لأحدٍ من شُركائي في الأستاذة أن يكيلَ لي الآن كلَّ ما تعلَّمه من فنون السباب، فبالطبع لم تكن حالةُ استغرابي انتقاصًا من مقام الرضوى، بلْ كانتْ مُحاولةً للبحث عن تلك الزاوية التي قرأ من خلالها هذا الصديقُ حُروف رضوى وكلماتها الأنيقة فأحدثت كل هذا في حياته! .

شتاء ألفين وستة عشر.. قررتُ أنْ أستغلَّ فراغًا لاح لي في أوقات العمل.. قفزتُ في الهواء ثم فاجأتُنِي: سأذهبُ إلى غِرناطة! ، صحيحٌ أنني أخاف الزمن الذي يحوِّلُ صغار الصباح إلى أجداد المساء، وأخشى الروايات وسُكَّانها الذين ينضجون ويشيخون في اليوم والليلة الواحدة بلا مُراعاةٍ لطاقتنا الضعيفة ! ، وأخافُ من تسمُّري العاجز أمام دورة الحياة التي لا تتركُ أحدًا على حاله، ولا تُبقي لنا إلَّا تعاطفًا مع قادم الأحداث المحسومة سلفًا من قبل كاتب الرواية.

أزعمُ أنَّني بلغتُ الثامنة والعشرين وما زلت أوقنُ أنَّ الجميلات هُنَّ القويَّات..يأسٌ يُضيءُ ولا يحترقُ كما قال درويش، إلَّا أنَّه كان لرضوى رأيٌ آخرُ! ..
لو تأمَّلت معي يا صديقي المنحنى الشخصيَّ ل"سليمة" و"مريمة" ـ بطلتين في رواية ثلاثية غرناطة ـ لأدركت ما أردتُ أن أقوله في هذه المقالة..
رُبَّما أنسيتُكَ أصلًا عُنوانها من كثرة "الاستطراد" الذي أمارسه، حتى أنَّك لم تعدْ تعرف الآن ما العلاقةُ بين الجميلات القويَّات والزاوية المختلفة؟ ولمَ عنونتُ المقالةَ ب"الجميلات كُنَّ القويِّات"؟ ثُمَّ إنْ كانت القويَّاتُ هُنَّ الجميلات فمن الآن؟

وما الزاويةُ اللعينةُ التي غيَّرت رضوى بها كلَّ من يتركُ نفسه لها، بدايةً من صديقي الذي حدَّثتُك عنهُ في أول المقالة وصولًا إلى شخصي الضعيف؟!

المُتأمِّلُ للرواية يجد أنها تسيرُ في مُقارنةٍ عرضيةٍ غير مقصودةٍ بين "سليمة" و"مريمة"، حتى تصل بك إلى نُقطة الذروة التي لن أُحدِّثك عنها بالطبع الآن، وإلا فما جدوى كُلِّ هذه المُقدِّمة؟! وما الذي سأفعلُه بعد أنْ تتركني وتذهب؟!.

.. "سليمةُ" صغيرةٌ ذكيَّةٌ تُحبُّ القراءة والوصولَ لأبعد نقطة في الشيء.. تسألُ عن السبب ولا تكتفي بالظاهرة فقط.. يشغلها عدلُ الله وما وراء السماء وتلك الكُتب النفيسة التي تُطيِّرها بعيدًا عن أجواء غرناطة المُلتهبة.. تُشاكِسُ هنا وتجادلُ هناك وتُثبت براعةً في قراءة الناس وأرواحهم، وتحجزُ حتمًا مُستقبلًا باهرًا في فتاةٍ ظلَّ يحلم من هم مثلي بالزواج منها.. أُهدهِدُ رُوحِيَ وأزعمُ أنَّ "سليمة" ستكونُ الشقِيَّةَ الذكيَّةَ الجريئةَ التي ستُضمُّني إلى قائمة الصغار الذين سننجبهم معًا ، وتحنو علينا جميعًا، تمشِّطُ صغيرتنا الجميلة التي تُشبهني أكثر منها ، وتختارُ لها فُستانًا يكشفُ ذوقها الأنيق..سليمةُ بالطبع ستتقنُ رابطة عنق البدلة - التي يفرضها عليَّ عملي- التي ما زلت فاشلًا حتى الآن في ربطها، تبتسمُ كُلَّما ضبطتني أتناولُ طعاميَ بطريقةٍ طفولية، وتنفعلُ كُلما لاحت لها ديكتاتوريتي حسنةُ النيَّة!. سليمةُ تستحِقُّ الثمانية والعشرين التي أضعتُها من عمري في البحث عنها مُتحمِّلًا عبء كلّ هذهِ التجارب الفاشلة التي خضتُّها..

على الجانب الآخر تظهرُ "مريمةُ" ابنةُ المنشد الذي يجوبُ البلاد ليتكسب من مدح النبيِّ العدنان وآل بيته الكرام.. الخجولة التي يقعُ حسن ـ أخو سليمة ـ في غرامها لسبب لا يعرفه، فيقررُ أن يتزوجَها.. ضئيلةُ الحجم غضَّةٌ يبدو لك أنَّها ستضربُ أخماسًا في أسداس حين تقابلها مُشكلةٌ بسيطة.. لم يرحمها صغرُ سنِّها من حماتها التي تتهمها دومًا بالكسل والفشل الذريع في خبز العجين، فتُسمعها صباح مساء تاريخها الذي كتبته حين كانت في مثل سنِّها.. المريمةُ ثرثارةٌ لطيفةٌ تنتقلُ كفأرٍ أبيض خفيفٍ بين جنبات المنزل.. تحرصُ على أنْ تُلازِم حماتها في كل شاردة وواردة؛ لتتعلَّم منها..

تندمجُ "مريمةُ" مع "سليمة" التي تكبرُها بثلاث سنواتٍ، وترى فيها العميقة التي لا يفلحُ أحدٌ في أن يأخذ معها حقًّا ولا باطلًا.. يكبران معًا ثم يلتقيان بنا في المقالة القادمة لنتعرف حقيقة تلك الزاوية التي ظللتُ أُشوِّقك بها طوال هذه المقالة!.


لقراءة الجزء الأولي من هذه التدوينة يُرجى الضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.