المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

في ظلِّ الثلاثية.. ينايرُ المنفى الوسطِيُّ الجميلُ "1"

تم النشر: تم التحديث:

" كأنَّ الأيام دهاليز شحيحةُ الضوء كابيةٌ يقودُك ا
لواحدُ منها إلى الآخر فتنقادُ، لا تنتنظرُ شيئًا. تمضي وحيدًا وببطءٍ، يلازمُك ذلك الفأرُ الذي يقرضُ خيوط عمرِك. تُواصلُ، لا فرحَ، لا حُزنَ، لا سخطَ، لا سكينةَ، لا دهشةَ أو انتباه!".

لم تكنْ "رضوى عاشور" في تلك المقطوعة من ثُلاثيتها تعلمُ أنَّ شبحًا ثانيًّا من اللاشيء سوف يُخيِّمُ بعد رحيلها الآن بلا عناءٍ، أو حاجةٍ لأندلسٍ جديدةٍ ضائعة! رُبَّما لو علمتْ لأجَّلت سقوط غرناطة، فلم يكتئب أبو جعفرٍ الورَّاق، ولم تذهبْ سليمةٌ سُدى النسيان.

نقرأُ يا صديقي "غرناطة" و"البيازين" و"قشتالة"، فنتذكرُ كلَّ أندلسٍ أضعناها في مصر معًا، نكتبُ عن جيلنا البائسِ الذي خانهُ الفرحُ والحزنُ على السواء.. يا فرحُ لسنا أقلَّ من أنْ تُضيِّفنا، ويا حُزنُ لسنا وحدنا الذي نستحقُّك!

في عالم رضوى يلمعُ أبناءُ يناير الذين اقترفوا الحُلم سهوًا وعمدًا.. أطايبُ الأرواح الذين غنُّوا وردَّدوا ما كتبه أمل دنقل يومًا: لمْ يكنْ يملكُ إلا مبدأه!

الذين يُردِّدون حين يهزِمُهم العجزُ السخيفُ بعد جُهدهم المُضنِي: "نعم.. نحنُ الذين وقفوا على عتبات أعرافهم.. لمْ يكتملْ حُلمُهم ولم يتوقفوا عن ممارسته! نحنُ الحالمون الطيِّبون البائسون التائهون في بقاع الأرض وأضَّادها من ضيقِ الزنازين إلى فضاءِ ما تبقَّى من فُتات الأمل.. نحنُ الطاهِرون وإن دنَّسنا أحدٌ، الطائرون وإنْ قيَّدنا أحدٌ، الباقون وإنْ لم يعثرْ علينا أحدٌ! لا نقولُ ذلك إثباتًا؛ إنَّما نقولُها مكافأةً لأنفسنا الطيبة التي خذلها كلُّ من لمْ يكنْ نظيفًا ليكبرَ بجوارها، ونقولُها "طبطبةً" على أحلامنا المسكينة التي كانت نظيفةً بما يكفي ليكرهها العالم، ونقولُها تحسُّرًا على رُومانسيةٍ أُكِلتْ حين لم تفهم أنَّ العالم تستهويه أفلامُ الأكشن."

الضائعون في المنتصف.. الذين لم تمنعهم غُربةٌ من نسيان الوطن الأم، ولم يتشرَّبُوا بعدُ معالم الوطن الجديد.. الذين لم يصلوا لآخر ما يصلون إليه في المنفى البعيد بأضوائه الباهرة، و لمْ تنسَ أُنوفُهم تراب الوطن القابع في خانة التكوين.

الذين أحبُّوا حتى الثمالة ثُمَّ لم يحظَ كلُّ سعيدٍ بسعيدته.. لا كانوا من المحظوظين البسطاء الذين مارسوا سعادتهم بالفطرة، ولا كانوا من الذين طيَّر الفرحُ أرواحهم فغنُّوا: نمْ يا حبيبي عليك ضفائرُ شعري.. عليك السلامْ.

الصِفريُّون الذين يكتبون نقاطًا فارغةً (...) تعبيرًا عن حالتهم النفسية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ليسوا فارغين ليعجزهم نثرُ كلامٍ ممكنٍ، وليسوا بُلهاءَ ليكتبوا شيئًا لهذا العالمِ الوغد!

الحائرون في المنتصف الذين لم يملكوا أملًا ليحاسبوه، ولمْ يرحمْهم عجزٌ أمام ذاكرةٍ تُلحُ على أوجاعهم المتأجِّجة.. الذين لم يذهبوا وليسوا هنا.. الذين يخطون إلى الأمامِ المُتحمِّسِ بقدر ما يجذبُهم الخلفُ الساكنُ الجميل.

الكائنون في عصر الإسلام الوسطيِّ الذي يُقبِّلُ أحدُ مشايخه قدم كلب، بينما يغمض روحه وعقله وقلبه عن آلاف الآنات من البشر الذين انتظروا يومًا إنسانيَّته المسخ.. بالطبع ليست المُشكلة في الكلب، بل في المساكين الذين لم يفعلوا ما يُؤهلهم لإنسانية الشيخ الكلبة.

يا كلَّ الذين يفخرون بما بذروه من خضارٍ على هذه الأرض، حتَّى شابوا ولم تُثمرْ أرضُهم بعد..
يا كُلّ اَلواقفين -قهرًاـ في النقطة التي ليست بردًا ولا حرًّا..
يا قطع السكر التي لم تستحقُّها مشاريبُ العالم السامَّة..
أهلًا بكم في المنفى الوسطيِّ الجميل!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.