المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

عِفريت من الحِبْر

تم النشر: تم التحديث:

* مشهد قديم
"بجسدٍ خفيف الوزن مرتدياً نظارة شمسية وبنطالاً رمادياً وقميصاً سماوياً كنتُ أبدو في المشهد.. يغطي رأسي شعرٌ أبيض ناعمٌ كالذي يليق بخمسينيٍّ مثلي تخطى الخمسين بقليل.. أحرك الزاوية قليلاً فيظهر في الصورة طفلٌ صغير على ما يبدو حفيداً لي تكسو ملامحه جيناتٌ تركية أو شمال أوروبية!

لا تشتم عزيزي القارئ.. تقبَّلها ومرِّرها كما تُمرِرُ عشرات الأحلام كل عام، على يمين المشهد أبدو وكأنِّي أُلقِّن هذا الصغير درساً في الحكمة التي اكتسبتُها قطعاً لا لشيء إلا لأنني قد تخطيتُ الخمسين.. إذن لا بد أن أكون حكيماً.. هكذا أخبرونا!

لكنَّ الذي لا تخفيه النفس وما لم تظهره الصورةُ رغبةٌ حقيقية في أنْ أنافس هذا الصغير على عدِّ أسراب النمل المتجهة نحو قطعة سكر سقطت سهواً من فنجان الشاي اللندنيِّ البارد، أسمعك تُتمتمُ: ألا زلتَ طفلاً بعد الخمسين؟! أجيبُك بكل صرامةٍ وانتقامٍ لهيبةٍ أسقطتَها: إحم إحم.. أنا طفلٌ خمسينيٌّ كبيـر.

أقولُ إنَّني محظوظٌ دون غيري من الملايين على هذه الأرض، لقد رأيتُني بعد خمسةٍ وعشرين عاماً، بينما يفشل غيري في أن يرى نفسه أمام المرآة كل يوم، لا لأن المرآة غير نظيفة أو لأنه لم يكن هناك أي ضوء في الغرفة، بل لأنَّه فقط خاف أن يرى!

ربما كان ذلك الحلم الذي رأيتُه هوى النفس التي أرادت أن تخترق حاجز القدر، فرسمت صورة لما تريدُ أن تكون عليه بعد خمسةٍ وعشرين، وربما لأنها أرادت ألا تنتظر القدر بالذي سوف يحمله.. فليأتِ بما يريدُ.. لقد رأيتُني وانتهيت.

تصرخُ مُحدِّثتي قائلةً: ألم تلقني هناك؟ وكيف لحُلمٍ أنْ يكون إلَّا بي؟!
أجيبُ متنهداً ملوماً مفروساً: لقد كان ذلك منذ عشر سنوات، فكيف تكونين ولم ألقكِ بعدُ حينها؟!
تجيبُ كامرأةٍ: وإنْ؟!
أردِّدُ في يأسٍ ساخراً: وإنْ؟!.. حسناً، سأروِّضَ أحلامي ثانيةً.. تكونين إذنْ في المرة القادمة.

* الأزمة
أعلم عزيزي القارئ أنك تلاحظ في السطور السابقة مدى العنت الذي أتكبده لأكتب سطراً واحداً بعد كل هذا الغياب.. وأعلم أنك تشعر أنِّي أستحثُّ القلم ليعطيني الذي يعطيه الوطنُ لمغتربٍ لامست قدماه أرض الوطن بعد خمسةٍ وثلاثين ربيعاً من الغياب، بالطبع لا أقصدُ أوَّل كَحَّةٍ وطنية!.. وأشعر بالعنت الذي يلاقيه كالعادة أصدقائي بعد كل تجربة كتابة جديدة.. نريدُ أن نقرأ لك شيئاً مفهوماً بسيطاً ولو لمرة واحدة!
أجيبهم مبتسماً على طريقة خالد صالح "أنا بابا يلّا": ستفهمون حين أفهمُ!

ربما كان الهدف الحقيقي من هذه المقالة مجرد العودة، فلم أجدْ أفضل من الكتابة عن عناء الكتابة نفسها.. عن عفريت الكتابة الذي يتلبسُّنا حين نمسك قلماً أو نرى مشهداً أو نسبحُ في حُلم ليلي بلا خوفٍ من جُمرك الرقيب..

الكتابة فعلٌ صعبٌ للغاية وحقيقةٌ في منتهى التعقيد.. ربما تتأتّى صعوبتها من الحالة التي يكون عليها الكاتب؛ إذْ ينغمس لآخره في حالة الوصف التي تفرضها عليه الكتابة.. عليك أنْ تكون لآخرك أثناء الكتابة.. لا تنشغلْ عنها بالذي يكونُ من الناس.. الكتابةُ تعني أن تكون في برزخٍ لم يدخله سواك.. حيٌّ ميتٌ حتى تعودَ بالذي سيطر عليك، فأخرجتَه مكتوباً.

أقولُ ثانيةً إنَّ الذين اصطفاهم القلم ليكونوا رفقاء له حقاً محظوظون.. يكتبون ما يرغبه الناسُ ولا يستطيعونه.. يكتبون في السعادة والشقاء، في الصباح والمساء، في عتمة الروح أو في شجاعة المعارك الداخلية.. يسبقون غيرهم بوصف الحقيقة أو برسم الخيال.. لم يكن غريباً على #محمود_درويش في رائعته #الجدارية أن يصف ما لم يحظَ به غيره وقت الغيبوبة.. نعم كلُّ الناسِ يمرضون، لكنَّ درويشاً واحداً فقط يستطيعُ أن يصف ما يراه في غيبوبته:
وكُلُّ شيء أَبيضُ،
البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ بيضاءَ
والَّلاشيء أَبيضُ في
سماء المُطْلَق البيضاءِ
كُنْتُ، ولم أَكُنْ
فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
الأَبديَّة البيضاء
جئتُ قُبَيْل ميعادي
فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي:
(ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا؟)
ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ،
ولا أَنينَ الخاطئينَ،
أَنا وحيدٌ في البياض،
أَنا وحيدُ..
رأيت بلاداً تعانقني بأيدٍ صباحية،
كُنْ جديراً برائحة الخبز،
كُنْ لائقاً بزهور الرصيفْ
فما زال تنورُ أُمِّكَ مُشتعلاً
والتحيَّةُ ساخنةٌ كالرغيفْ

ولم يكن غريباً على الجميلة #رضوى_عاشور أنْ تصف لقارئها وتلاميذها ما رأته في غيبوبتها في جولةٍ من جولات صراعها مع السرطان اللعين، الذي سأختمُ به مقالة العودة:

أرى مبنى من طابق واحد، مُشرَّعةٌ أبوابُه المقوسة، أدخلُ، أرى نساءً يجلسن القرفصاء أمام المغازل والأنوال، أقولُ لنفسي: إنهن بنات القبائل من نساء الأمازيغ. أقف بجوار إحداهن. أتطلع إلى يديها القويتين وهما تعملان بدربة لافتة، ألمح نسجيَّةً معلقةً على جدارٍ، أذهبُ إليها، أشهقُ، أتطلّعُ مأخوذةً، لم تكن كباقي الزرابي التي تشتغلُ عليها النساء.. لا تشبه زرابي الشمال الإفريقي، تخلو من أحمرها الحُر وأزرقها البحريِّ العميق، تحيل تعاشيق خيوطها إلى الدانتيلا، دانتيلا سوداء.. هل ذكرتني تلك الدانتيلا بغطاء الرأس التقليدي لنساء الأندلس ومراوحهن التي تباعُ في محلات التذكارات بأزقة قرطبة وغرناطة وإشبيلية؟ لا أدري، ولكنِّي سمعتُ موقنةً صوتاً يقولُ لي:

هذه نسجيَّةُ القدس
ليست للبيع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.