المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

"الإسلاميون بين الثورة والدولة".. ضريبة العمل أم وهمُ المظلومية؟!

تم النشر: تم التحديث:

"اعتذار"

والذي يليقُ بالقارئ الكريم في بداية هذه المقالة الجديدة أنْ أقدم اعتذاراً عن تأخيري في كتابة المقالات؛ إذ إن آخر مقالات الكاتب كانت في الثامن من أغسطس/آب الماضي تقريباً، والتي تحدثت عن عالم الكيمياء الحائز على "نوبل" الراحل الدكتور أحمد زويل، حاولت المقالة أن تنظر من وجهٍ آخرَ في عوالم زويل علَّها تلمحُ شيئاً يمكِّنها من فهم أغوار الشخصية.

والنظر إلى منطقةٍ أخرى لم يعتد القارئ الكريم أن يدخل منها، والآن وبعد ما يزيدُ عن شهرين من الانقطاع المتواصل عن الكتابة لأسباب شخصيَّةٍ وأخرى متعلقة بالتحضير لعملين إعلامي وآخرَ أدبيِّ، يطيبُ لي أنْ أوضح لشخصك الكريم أنَّني بصدد كتابة سلسلة جديدة تتناول قراءةً نقديَّة في كتاب "الإسلاميون بين الثورة والدولة" للباحث المصري الدكتور عبد الغني عماد، والذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية في سبتمبر/أيلول 2013.

بالطبع ليس دوري هنا أن أنقل لك حرفيّاً ما جاء في الكتاب، لكني سأكتفي بذكر خطوط عامة تناولها الكتاب، كما سأربط ذلك بقراءتي الشخصية للأحداث الحالية، لعلَّ هذه القراءات وغيرها خطوة في الطريق الذي قررتُ المسير فيه بغية فهم ما حدث، وأين نقف، وما الذي يمكن أن يخبِّئه لنا الغد؟!

لماذا تركتَ الكتاب وحيداً؟!
في مقدمة صيف العام 2015 وبعد حوارٍ طويل بيني وبين أحد الأصدقاء، همس لي سرّاً بأنَّ الحركات الإسلامية التي انغمست في مدارات السياسة على وشك القيام بخطوة - سمَّاها تصحيحيةً - من شأنها أن تعدِّل مسار العمل الثوري كلِّه، أو قل على الأقل أنْ تستوعب هذا اللهيب القادم من غضب الشباب في لقاءاتهم النادرة بقادة هذه الحركات السياسية. مرَّ عامٌ ونصف ولم يتغيَّر شيءٌ يُذكر سوى انتقال كلمة السر لصفحة الإخوان على الفيسبوك من المتحدث الرسمي باسم الجماعة الجديد إلى القديم، ثم من القديم إلى الجديد.. ثم لا شيء لا شيء.. لم يدرك صديقي حينها أنَّ الرغبة وحدها لا تحرر حركات من براثن الأيديولوجيا ولا تبني نضالاً ولا تنافسُ فكراً، فضلاً عن أنَّها لن تطفئ شباباً، وهذا حسبُك!

متلازمة السلطان الفقيه
عمد الباحث الدكتور عبد الغني عماد، في الفصل الأول من كتابه، إلى الحديث عن التساؤلات التي دارت في خاطر كل باحث مهتم بالشأن العام عقب الفشل الذريع لأبرز تجارب الربيع العربي في مصرَ وسوريا، وهل جاءت هذه الثورات قبل أوانها أم تأخرت في المجيء؟!.. قدَّم الباحث إلماحة تاريخيةً سريعةً عن الزواج المحرَّم بين السلطان والفقيه، والذي نجح في مراحل كثيرة من التاريخ العربي في أن يصنع بديلاً سهلاً من الدين الناعم -الذي تنجذبُ إليه العامة- طالما لن يسبب لهم أذى أو احتكاكاً مباشراً مع السلطة.

لعلَّ ظهور القنوات السلفية الدينية "الناس - الرحمة - الحافظ.. إلخ" في الألفين وخمسة كان أبرز صفقات المتلازمة الرئيسية السلطان الفقيه.
اضمن لي قاعدة ً جماهيريةً دينيةً لا تنشغل إلَّا بما يُسمَّى العلم الشرعي أضمنْ لك مساحةً على الأرض وبثّاً مباشراً وأتباعاً ومريدين.. هكذا إذن وبكل بساطة وجد التيار السلفي نفسه أمام فرصةٍ تاريخيةٍ لإثبات الوجود بمباركة رأس الدولة وقيادات الأمن في ذلك الوقت، ومن كانت تلومُه نفسُه من مشايخهم كان يخدرها فوراً بوجهة نظر تقول إن ما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُترَكُ كلُّه، وإنَّ من نبنيهم اليوم بعلمٍ شرعي قادرٌ على فهم الواقع غداً وانتزاع حقوقه وفق الضوابط الشرعية! ولا ضير إنْ كان ذلك كله يحدث دون أن يُخدَشُ منهم رجلٌ واحدٌ.

أدركتْ الأنظمة العربيَّة ما قبل الربيع العربي أنَّ التيار الديني الناعم هو ورقة التوت الأولى التي ستلجأ إليها وقت الأزمة، وقد كان.. إبان الثورة اليمنية خرجت جمعية علماء اليمن "علي جمعة وبرهامي فرع اليمن" بفتوى واضحة صريحة تحرم المشاركة في المظاهرات، بل وقدمت أبحاثاً فيما يزيد عن ثلاثمائة صفحة تُؤصِّل لهذه الفتوى، كما قام عبد الملك رمضاني، شيخ السلفية الجزائرية، بإصدار فتوى تتكون من خمس وأربعين صفحة، كانت خلاصتها أنَّ المشاركة في التظاهرات محرم شرعاً؛ لأن ظلم الحكام بسبب ذنوب المحكومين، واستدلَّ بما رواه شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحسن البصري، في قوله، إن الحجاج بن يوسف الثقفي هو عذابُ الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليم بالاستكانة والتضرع!

ينتقلُ بك الكتاب في فصله الثاني إلى مقارنة بين "الصحوة والإصلاح" اللتين تزعمهما التياران الإسلاميان الرئيسيان في العالم العربي، تيار المواجهة والتيار الناعم، ثم يستمرُّ الكاتبُ في توضيح الفروق بينهما وما العوامل التي ساهمت في نشأتهما، وكيف أدَّى كل منهما دوره في الحياة السياسية العربية حتى تمخض الخلاف الأيديولوجي بينهما إلى أن صارا عدوين في أحداث ثورة يناير/كانون الثاني عام 2011، فكانت المؤسسة الدينية الرسمية متمثلة في الأزهر الشريف في جانب، بينما وقف الإسلام السياسي متمثلاً في حركة الإخوان المسلمين في الجانب الآخر.

ثم يبدأ الكاتب في عرض أبرز الخطوات الهامة في تاريخ نشأة التيار الإسلامي المواجِه، بداية من ابن خلدون وحديثه عن الظلم المُؤذِن بالخراب، مروراً بالإمام محمد عبده والشيخ الأفغاني، ومحمد رشيد رضا والإمام الإيراني محمد حسين النائيني، صاحب نظرية ولاية الأمة على نفسها، وعصر الإصلاحيين الذهبي الذي ضم عبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، وصولاً إلى حركة الإصلاح في القرن العشرين التي تبلورت على يد الأستاذ حسن البنَّا.

في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نحاول أن نفهم مصرَ الجميلة وقت أن كان الخروجُ منها منفى، كما سنلقي الضوء على التجربة التونسية وما تعلمه أبناء النهضة التونسية في المنفى وغيرها من الموضوعات.

تابعونا في الحلقة الثانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.