المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

معاركُ القهوةِ زائدةِ السُكَّر

تم النشر: تم التحديث:

يدخل زوجها ذو العينين الزرقاوين الشاحبتين من أثر ما في آخر الليل, فتخبره بأنَّ الصغار ينتظرونه في غرفة النوم؛ ليحكي لهم "حدوتة ما قبل النوم".

ينتقل الحدث إلى شاشةٍ ضبابيةٍ ورجلٍ يقرأ حكاية الملك العثماني مع تاجر الأقمشة, ثم ينتهي المشهد الأبوي بصورةٍ باهتة للرجل بجوار ثلاثة أسرَّةٍ خالية إلا من ملابس أطفال وضعت عليها. ثم يبدأ حوارٌ دامِعٌ بين ذلك الزوج - الذي خرج بعد انتهاء مهمته - وتلك المسكينة التي لا تزالُ حريصةً على إحياء صغارها المفقودين!

بهذه البساطة الساحرة يبدأ الفيلم التاريخيُّ "The Water Diviner" مأساة العائلة الأسترالية التي فقدت أبناءها الثلاث إبَّان الحرب العالمية الأولى في إحدى أشباه الجزر البعيدة.. ولا يزال "كورنو" يُصبِّر النفس على فراق أولاده الثلاثة إذ فاجأته الزوجة بانتحارٍ مفاجئ لم يملك أمامه شيئا إلا أن يعدها في مثواها الأخير بأن يذهب بعيداً إلى تلك البقعة البعيدة ويحضر رفات الصغار الذين التهمتهم الحرب؛ ليدفنهم إلى جوارها.. هكذا تستأنس وتكون أكثر خفةً وسعادة!

ويبدأ البطلُ قصة كفاحٍ مريرة استهلَّها برفض كل السلطات الرسمية التعاون معه في البحث عن رفات الأبناء وسط كل هذه المقابر الجماعية. لم ييأس حتَّى جرَّته الأقدارُ إلى ذلك الفندق التركيِّ الهادئ الذي يقع على مقربة من شبه الجزيرة المنكوبة.

امرأةٌ في العقد القمريِّ من جمالها وطفلُها الصغير وأتراكٌ آخرون يديرون الفندق.. لم تُخفِ رفضها له منذ اللحظة الأولى التي علمت فيها بجنسيته "الأسترالية" ولم تخف كل تلك الويلات التي خلفتها الحرب بين بلادها وبلاده التي التهمت زوجها, لكنها قبلته في فندقها على مضض، فالحياة كعادتها سخيفةٌ وسخيفةٌ جداً!

ينجح بعد فشلٍ طويلٍ في مرافقة حملةٍ عسكرية تواجدت خصِّيصاً لحمل رفات المفقودين والعودة بهم إلى أوطانهم.. ولأنَّ الغريزة ليس لها أيديولوجيا - كما قال محمود درويش - فاضطرَّ على مضض إلى التعاون مع أشهر القادة الأتراك - الأعداء - الذي استعانت به الحملةُ لما اكتسبه من خبرة في جغرافيا الأماكن.

يستمرُ التحوُّل بين الأب المكلوم على أبنائه من ناحية وبين الضابط العدو الذي ربما قد تورّطت يداه في قتل أحد أبنائه من ناحية أخرى، إذْ يكتشفان أنَّ "الأُبُوَّة" لا تحتاج إلى جواز سفر أو أيديولوجيا.

على الجانب الآخر من النهر أيضاً تتحسن علاقته بتلك الجميلة صاحبة الفندق المكلومة. ثم تخبره ذات لطفٍ أنثويِّ بأن البنت في تركيا حين تقدم القهوة مُرَّةً لعريسٍ جاء يخطبها إنما تعني لفظه خارج المنزل والعكس صحيحٌ بالطبع.

بمعجزة نادرة وبالتعاون مع الضابط التركي ينجح كونرو في الوصول إلى رفات اثنين من أبنائه ويُفاجأ بأنَّ أمله الذي ربَّاه بداخله طيلة هذه الرحلة لم يكن ليكذبه.. لا يزال الابن الثالثُ حيًا. هكذا قادته الأقدار.. ولأنَّ جينات "العرب الجدد" لم تكن قد وصلت إليه ولله الحمد.. فلم يكتف بالأمل وحده, بل انطلق في رحلة جنونية جديدة تعرض خلالها لمحاولة القتل في مشوار البحث عن الثالث إلى أن زاره الولد الثالثُ أخيرًا في منامه.

بمساعدة الجميلة والضابط - الذي صار صديقاً - ينجح الأب في الوصول لابنه ثم يعودُ يغمره الشوق الذي لا يعرف سرَّ وجوده إلى تلك الجميلة الحزينة وطفلها الملاك الذي كان سبباً في إحضاره منذ بداية الرحلة إلى ذلك الفندق.

يدخل كورنو وولده الفندق لتقابله المرأة برسميةٍ تفرضها عليها طبيعة العمل والمكان, ثم تقدم له القهوة. يرتشف منها أثراً قليلاً فيفاجئه سُكَّر القهوة الزائد. يقلب بالملعقة فيكتشف هذا الكم الهائل من السكر الذي وضعته له في الفنجان.. لا يكاد يُصدِّق.. ينظر إليها فتخبره عيناها بأن القهوة ليست مرة فحسب, بل زائدة السكر! ثم تبتسم على مهلٍ وتفتح شباك وجهها لابتسامةٍ عريضة تدفئهما.

وفي عالمٍ مُوازٍ، الانقلاباتُ لا تسقطُ بالتقادم أو التسريبات أو حتَّى بالأمل وحده! الانقلابات تسقط بالتغيير في الفكر والآلية والوسيلة وحسن النخرِ في مخاوف الناس.. وحدها تلك الانقلابات ذات القهوة زائدة السكر هي التي تحتاج إلى عملٍ ميدانيّ وثورة على ما كان يظن الناس أنه يقيني!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.