المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

يراك المحبوبُ ، فتصيرُ موجودًا "3" .. الوِحدةُ أهونُ من ونسٍ أجوفَ !

تم النشر: تم التحديث:

قلَّب في صفحات التواصل الاجتماعيِّ يوماً، فقرأ ما كتبته الروائيَّةُ المصريةُ الشابةُ "هديل عبد السلام" عن الوحدة التي هي أهونُ من ونسٍ أجوفَ.. فشعر بغُصَّةٍ.. ثم أغلق حاسوبه، ورحل!

قابلتُ في الأعوام الخمسة الماضية، بُحكم سفراتي المُتعدِّدة، أصدقاء من جنسيات مختلفة، ربما كان بعضهم من الذين أراهم للمرَّة الأولى، لكنَّ رُسل القلب إلى القلب اختصرت مسافات الزمن وعلاماته، ففتح كلٌّ منَّا للآخرين بريد قلبه، وتبادلنا قصص الحب والارتباط الفاشلة؛ لنسريَ عن أنفسنا لعنة السياسة القذرة.

بالطبع لن أفشيَ أسرار جلساتنا الخاصَّة، على الأقل حتى أضمن مزيداً من فرصٍ أخرى في عُمرٍ جديد عندما ألتقيهم مرة أخرى، وحتى أتلافى لكمات الوجه وقرصات الخدِّ اللطيفة.

ما لاحظتُه بعد كل هذه اللقاءات المختلفة والتجارب غير المتجانسة أنَّ الحياة قاسيةٌ، وقاسيةٌ جداً علينا جميعاً، وأنَّ ما يُطبَعُ في القلبِ لا يخرجُ بسهولةٍ حتى ينتشله قلبٌ آخرُ، وأنَّ الوحدة أحياناً تكونُ أهونَ من ونسٍ أجوفَ، وأنَّ الشاعر المصريَّ الشاب "مصطفى إبراهيم" كان صادقاً حينما قال في إحدى قصائد ديوان (مانيفستو): "ما ليش في البنت طلبات غير تنسّيني اللي قبليها!".

القلوبُ لا تنسى

يقولُ ابنُ حزم الأندلسيُّ في الباب السابع من كتابه الشهير "طوق الحمامة": "واعلم -رحمك الله- أنَّ للحُبِّ حكماً على النفوس ماضياً، وسلطاناً قاضياً، وأمراً لا يُخالَفُ، وحداً لا يُعصَى، وأنه يحلل الجامد، ويخلُّ الثابت، فلقد شاهدتُ كثيراً من الناس قد وصفوا أحباباً لهم في بعض صفاتهم بما ليس مُستحسناً عند الناس، ولا يُرضى في الجمال، ثم مضى أولئك بسلوٍ أو فراقٍ، وما فارقهم استحسانُ تلك الصفات، ولا بان عنهم تفضيلُها، ولا مالوا إلى سواها، ليس ذلك فحسب، بل تطوَّر الوضعُ حتى صارت الصفاتُ الأخرى المُستحبَّةُ عند الناس مهجورةً عندهم، حنيناً منهم إلى ما فقدوه، وأُلفةً لما صحبوه، وما أقولُ إنَّ ذلك كان تصنُّعاً، لكن طبعاً حقيقياً واختياراً لا دخل فيه ولا يرون سواه، وإني لأعرفُ من كان أولُّ علاقته بفتاةٍ مائلة إلى القصر، فما أحبَّ طويلةً بعد هذا!".

في كل مرةٍ أقرأُ فيها المقطع السابق من كتاب ابن حزم أدركُ حكم الحب والمعاناة والفراق.. وأعرف العديد من اللعنات التي تصيب المرء في هذه الحياة، وأنَّ أسباب الوفاة كثيرةٌ، كما قال "محمود درويش"، مِنْ بينها وجعُ الحياة!. يكفيك فقط أن تقرأ المقطع السابق وأمثاله في كتب تحليل العلاقات الشخصية؛ لتعرف كم يسطو القلبُ على صاحبه، وكم يبقى المحبُّون أسرى قلوبهم!

كنتُ قد تحدثتُ في المقالة السابقة عن حالة الامتلاء التي يشعر بها المحبُّون، والتي تمنحهم شعوراً بالاكتفاء عن أيِّ أحدٍ خلا المحبوب، كما أذكرُ أني قد ختمتُ المقالة بالحديث عن خطورة غياب هذه الروح، الأمرُ الذي قد يدفعُ أحد الطرفين إلى خيانةٍ محتملة باللفظ أو بالفعل أو حتَّى بالقلب!.

فمثلا أعرفُ مَنْ زادت عشرتُه مع امرأته على خمسة عشر عاماً، ثم إنَّه إذا مرَّ طيفُ امرأةٍ -أحبها قديماً- به وجدته قد تحوَّل، فلا الوجه يبقى كما هو ولا القلوبُ! القلوب لا تنسى ولا تخطئ نورها الصحيح!

وأعرِفُ مَنْ تزوَّج ليعفَّ نفسه مع امرأة، فإذا به يُوزِّعُ ما تبقى منه على باقي النساء!.. هل هذه عِفَّة فضلاً عن هل هذه أصلاً حياة؟!.. إنَّ كلَّ علاقةٍ لا تلمَعُ فيها عينا الرجل باطلة، وكلَّ علاقةٍ لا يرقصُ فيها قلبُ الفتاةٍ هي نخاسةٌ شرعيَّة.

بالطبع لا يرضى القويُّ لنفسِه أن يظلَّ أسير ماضٍ زائل أو ذكريات متخشّبة، لكن البديل غير المناسب كذلك نارٌ مُحرِقة.

تدفعُنا الحياةُ عادة إلى ما لا نريدُه، مرور العمر، وزحف الشعيرات البيضاء، والرغبة في بناء الأسرة، واشتياق لعب الأطفال، والأُنس بظلِّ البيت والتقوِّي به على مرارة الوحدة.. كلُّ ذلك قد يدفعنا إلى ما لم نكن نتوقَّعُه أحياناً.. لكنَّ المغامرة بقلبٍ مُظلِمٍ من أجل كلِّ ما سبق تبقى لُعبةً خطرة.. خطرة حقاً!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.