المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

يراكَ المحبوبُ، فتصيرُ موجودًا "2"

تم النشر: تم التحديث:

تقولُ الروايةُ -التي من المُحتمل أن يكون صاحبُ المقالةِ بطلَها- إنَّ شابًّا ريفيًّا كان قد بلغ العشرين، ألهبه الشوقُ لفتاةٍ كانت تعلمُ بما يكونُ منهُ، ثم شاءت ظروفُ المطرِ في قريتِهما أنْ يستقبلها بعد سفرٍ طويلٍ لها، فلمَّا وصلت فوجئت بما أحدثه المطرُ في القرية من أثر الطين المُبلَّل، فاضطرت لأنْ تتعلَّق بذراعه كما يكونُ بين المُحِبِّ ومحبوبه، يقولُ الراوي إنَّه في هذه اللحظة شعر "بالامتلاء" كما لم يشعر من قبل، وأنَّ الدُنيا قدْ حِيزت، فلا يكادُ تشغلُه نظراتُ وشاةٍ أو غدٌ يُخبِّئُ سُخفًا مُتوقَّعًا لهما.
" الامتلاء "
إنَّ الشعور بالامتلاء هو عينُ الحُبِّ وعلامتُه، والضمانُ بأنَّ ثمَّة ما هو حقيقيٌّ بينكما، وأنَّك تسيرُ في الطريق الصحيح، كما أنَّه المؤونةُ حين يقلُّ زادُ الحب ويحتلُّكما المللُ.

وصلني بالأمس تعقيبٌ شخصيٌّ من إحدى القارئات على الجزء الأول من سلسلة "يراك المحبوب"، طلبت فيه القارئةُ أنْ نتوقَّف عن ذكر الجانب المضيء من الحُبِّ بين الناس في علاقاتهم الإنسانية أو العاطفيَّة، لأنَّ الكُتّاب -على حسب روايتها- قد تناولوا البقعة المضيئة من الناحية العلائقيَّة بين المحبين، بينما يسبح الأزواجُ والزوجاتُ في بحرٍ من الواقع المرير الذي قلب الطاولة على رؤوسهم، فأصابهم من الغمِّ والنكد ما حوَّل علاقاتهم لأيَّامٍ وأرقام.

لا أخفيك عزيزي القارئ أنَّه قد كان في نيَّتي أنْ أسير في هذه السلسلة بنسقٍ وترتيبٍ آخرَ، لولا أنَّك لا تعرفُ متى تأتيك الرصاصةُ أو متى سيُغيِّرُ القارئُ خارطتك، وإنِّي لأرى أنَّه من واجب الاحترام لقرَّائي الكرام أنْ أقف عندهم، وأناقشهم وأطرح ما يجولُ بخواطرهم، إنْ لم يكن ذلك من باب التواصل بين الكاتب ومتابعيه، فليكنْ حتَّى من باب أمانة الكلمة، وذلك المربع الذي أتيح لي دون غيري؛ لأكتب فيه وأعبِّر عما يريده الناس. ما قالته القارئة الكريمةُ يلمسُ واقعًا أعلمُ مرارته، وربما أكونُ -وكنتُ- واحدًا من ضحاياه، إلَّا أنَّ ابتساماتنا أحيانًا تُخبِّئ ما تفضحهُ عيونُنا، لذلك أكرِّرُ ما قلته في بداية المقالة بأنَّ الامتلاء الذي تشعرُ به في حضرة المحبوب يكفيك الآن ويحميك -نسبيًّا- غدًا مرارة الملل الطبيعي.

الامتلاءُ خِفَّةٌ في الروح تشعرُ بها كلَّما وُجِدتَ في حضرة المحبوب، وهو ابتسامةٌ في عين المحبوب تلوحُ لك كلَّما رأى منك ذلك الوُدَّ والشبع به. به يُروَى ظمأُ المُحبِّ ويُوجَدُ في هوى المحبوب، وبه يشعرُ المحبوبُ بثقةٍ في نفسِه، فيكون معك كأجمل ما يكون من الخفَّة والأنوثة والشقاوة وكلِّ ما اشتكت القارئة الكريمةُ من فقده.

أعلمُ أنَّ قطاعًا فاضِلًا من قارئي الجزء الثاني من المقالة ربما يتهم كاتبَ هذه السطور بالمثاليَّة والنحنحة وانفصاله عن الواقع، وإلَّا كيف لكلمة لم تتخطَّ خمسة أحرف أنْ تقول بأنها سقايةُ الحاضر ومؤونةُ الغد؟! والحقَّ أقولُ: إنِّي لم أقف هنا لأُنظِّرَ على شخص القارئ الكريم، أو أبدوَ بمظهر الساحر الذي يُبشِّرُ بكلامٍ ورديٍّ ودباديبَ تُوازي ما أُلقي على كاظم الساهر في كل حفلاته الغنائيَّة! لكنَّ القصَّة أنَّ وجود العلاج لم يمنع بالكُلِّية وجود المرض، وأنَّ محاولة العلاج ليست حكرًا على دواءٍ واحدٍ وطريقةٍ واحدةٍ!

حدِّثني عن بيت خلا من خلافٍ بين المحبين، أو عِشرةٍ -طالت أو قصرت- لم تعترضها نوائبُ الحياة ونكباتُها، ويكفيني فقط أنْ أحيلك إلى الباب الرابع عشر صفحة 24-25 من كتاب طوق الحمامة للإمام ابن حزم الأندلسيِّ، والذي تحدَّث فيه عن الطاعة بين المحب والمحبوب، رغم ما يلاقيه الأحبَّةُ من نكد الخلاف الطبيعي بين الشخصيات، ستجد أن الكتاب قد أسهب في سرد الانسجام والليونة التي تُطبَعُ على روح المحبين من أثر الحب الذي نشأ بينهم، ويبقى السؤال هنا: إنْ كان كل ذلك بين المحبين الذين نشأت حياتهم الشخصية معًا على الحُبِّ والوُدِّ، فكيف تكونُ الحياةُ إنْ غاب هذا الحبُّ بأشكاله المختلفة عن حياة عموم الناس؟!.. ما الذي سيحملُ ثقلَ كل هذا العنت اليوميِّ إنْ لم يكن هناك ما نستندُ عليها في حياتنا؟!

يروي ابنُ حزم في كتابه عن زياد بن أبي سفيان، أنه كان مع جلَّاسه يوماً فسألهم: مَنْ أنعمُ الناسِ عيشةً؟ قالوا: أمير المؤمنين. فقال: وأين ما يلقى من قريش؟! فقالوا له: إذن أنتَ. قال لهم: وأين ما ألقى من الخوارجِ والثغور؟! قالوا: إذن مَنْ؟ قال: والله إنَّما هو رجلٌ مسلم له زوجةٌ مسلمةٌ، لهما كفافٌ من العيش قد رضيت به ورضي بها لا يعرفنا ولا نعرفه!

ربَّما تعمَّدتُ طيلة هذه المقالة التأكيد على أهمية الوصل الروحيِّ بين المحبين، والاكتفاء بهم عن دنيا الناس؛ لأكملَ في الحلقة القادمة حديثي عن الحياة التي خلت من وصلٍ أو امتلاءٍ، وعن طبيعة المرحلة التي تجبرك على التوقف..

"يتبع"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.