المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حرَّاز Headshot

الإسلاميون بين الثورة والدولة "2" | وقت أن كان الخروج من مصر منفى!

تم النشر: تم التحديث:

للوهلة الأولى من قراءتك للواقع العربي الحالي ستدركُ أنَّ ثمَّة نجاحاً أصاب النهضة في تونس، والحركة الإسلامية في المغرب، والحركة الإسلامية مجازاً في السودان، وستدركُ في الوقت نفسه أنَّ ثمَّة خيبةً لا تزال تلازمُ الإسلاميين في مصرَ؛ إمّا لأنهم لم يفهموا، أو كانوا أبطأ من أن يفهموا، أو لأنَّ منهم من أصر على ألَّا يفهم!

قرأتُ منذ يومين على موقع التواصل الاجتماعي "facebook" تدوينةً لأحد الشباب الذي كان يندب حظَّه، ويتمنى لو أنَّ الله قد خلقه في الزمن الذي كان فيه الخروجُ من مصرَ عقاباً ومنفى.

الفكرة هنا ليست في حب الخروج، أو ما سمَّيتُه الخروجَ الكبير يوماً، لكنَّ الإشكالية تكمنُ في أنَّ الخروج يعطيك فرصاً كثيرة لالتقاط الأنفاس ومعرفة المدارس السياسية المختلفة، والاطلاع على رئات مختلفة وأنفاس مختلفة، في المرونة التي يكتسبها القادة بعيداً عن هواء وحزبية وأيديولوجيا الوطن.

بالطبع كان الأستاذ الغنوشي، مؤسس حركة النهضة التونسية، أول الرابحين من تجربة المنفى البريطاني الكبير، برغبته أو رغماً عنه، لم يكن التطور السياسي الهائل ليمهله أن يظل طويلاً أسيراً لأنانية أيديولوجية أو فقرٍ في قراءة الواقع واستقرائه.

أدرك الغنوشي ونائبُه عبد الفتاح مورو أنَّ الأمور لا تُدار في الأوطان بمثاليَّة تامة، وأنَّ ما أتاك اليوم ليس عليك أن تخسره لأنه لم يأتِك كاملاً، وأنَّ ما كان ناقصاً الآن ليس لازماً أن يكون كاملاً طالما وُجِدت لك المساحة والأرض والقاعدة الجماهيرية.. كذلك أدركت النهضة أنَّ التجارب تقول إنَّ السياسة دوَّارةٌ، وإنَّ صديق اليوم عدوُّ الغد، وإنَّه من المهم أن يظل في جعبتك رصيدٌ لمن يمكن أن يصادقك يوماً حين تجمعكما مصالح السياسة، حتى لو فرَّقتكما خلافات الأيديولوجية، وأنَّ من حارب الجميع وهو أعزل حتماً سيخسر.

منذ منتصف سبتمبر/أيلول 2014 وحتى هذه اللحظة التي يتم فيها كتابة المقالة، لا أستطيع أن أحصي لك عزيزي القارئ كم عدد المرات التي سمعتُ فيها عن ثورات التصحيح داخل الحركة الإسلامية بُعيد زلزال الثالث من يوليو/تموز 2013، وفي كل مرةٍ تحاول فيها تلمس خطوة نورٍ وسط كل هذه العتمة تتعثَّر قدماك وسط هذا الكم الهائل من المخمضة.

لخَّص مستشار رئيس الوزراء التركي حالة العبث الراهنة في لقائه مع الإعلامي محمد ناصر حين صرَّح بأدبٍ شديدٍ بأنَّه لا يعلم حقيقةً مدى تأثير المعارضة المصرية بالخارج على الوضع في الداخل!

لم يكن غريباً على راشد الغنوشي العائد من المنفى البريطاني أن يكون أول تصريحاته بعد العودة أنه لا يحلم بأكثر من "دُكَّانةٍ" يبيع فيها بضاعته ويعرض من خلالها رؤيته للدين الحياتي.. هكذا إذن فحسب.

الحالة المصرية نموذجاً
يقول الباحث الدكتور عبد الغني عماد، في كتابه "الإسلاميون بين الثورة والدولة"، في معرض حديثه عن التأثير الطبيعي للسياسة على الأيديولوجيا: "والواقع أنَّ الإسلاميين كما غيرهم قدموا وهم في المعارضة الكثير من الطوباويات والمُثُل، لكنهم خسروا الكثير من طُهرانيتهم في اللحظة التي دخلوا فيها عالم السياسة ودهاليزه؛ إذ إنَّ الانخراط في تدبير الشأن العام ينقلهم من الطُوبى إلى الأيديولوجيا، ويحررهم من أوهام المثل العليا ويضعهم مباشرة في مواجهة حقائق الواقع وضرورات الإنجاز اليومي، فالجمهور ينظر إلى المتنافسين في الحقل السياسي بمرور الوقت على قدم المساواة، ويسقط عنهم الحصانة التي لطالما استفادوا منها".

لك أن تتخيل كم كان حجم العبء الملقى على أكتاف الإسلاميين أثناء وجودهم في السلطة، ولك أن تتخيل أيضاً كمّ ما هو مطلوبٌ الآن.
حينها فقط ستدرك لِمَ صبَّ شباب الحركات الإسلامية نار غضبهم على القيادات المتكهنة التي تحنَّطت داخل بوتقة التنظيم واستمرأت المسكنة والمظلومية.
(يتبع)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.